علي الزيدي بين "قلب الطاولة" ومشروع الدولة القوية: هل ينجح رجل الأعمال في إنقاذ العراق وسط حراكه الإقليمي والدولي؟
المقدمة: مفارقة اللحظة وحدثٌ طازج
في 3 تموز يوليو 2026، يواصل رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي فرض إيقاعه الاستثنائي على المشهد السياسي، مزاوجاً بين حملة مكافحة فساد غير مسبوقة وحراك دبلوماسي متعدد الاتجاهات، في وقت يترقب فيه العراق والعالم زيارة مرتقبة لواشنطن منتصف الشهر الجاري. يأتي هذا بينما يقدم أقدم تكتل "الإطار التنسيقي" في 27 نيسان 2026، على خطوة فاجأت المراقبين كافة: تكليف رجل الأعمال والمحامي علي فالح كاظم الزيدي (40 عاماً) برئاسة الحكومة العراقية. رجل بلا أثر حكومي سابق، ولا حياة سياسية عامة، يقفز فجأة إلى مركز السلطة في لحظة توصف بأنها الأكثر تعقيداً في تاريخ العراق الحديث، بين حرب إقليمية مشتعلة وضغوط دولية متصاعدة.
يبقى السؤال الأصعب: هل يستطيع الزيدي أن يكون "مهندساً" لإعادة تشكيل المشهد الإقليمي دون أن يتحوّل إلى رهينةٍ للتناقضات التي يحملها؟ أم أن هذا المسار، مهما بدا طموحاً، سيصطدم بقواعد اللعبة الصارمة التي ترسمها التوازنات الإقليمية والدولية، حيث لا مكان للأحلام الوردية في عالم السياسة الواقعية؟
أولاً: حملة مكافحة الفساد – "ضربات الفجر" واقتحام المنطقة الخضراء
خلاصة المشهد حتى 3 تموز يوليو: في أقل من شهرين منذ توليه المنصب، يبدو أن علي الزيدي يحرز تقدماً على ثلاثة مسارات رئيسية: حملة داخلية مستمرة بزخم كبير، واختراق في الملف المالي الحساس مع واشنطن، وحراك دبلوماسي لتعزيز مكانة العراق. ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر هو الاستمرار في هذا الزخم وتوسيع نطاق الحملة لتشمل شبكات الفساد المرتبطة بالفصائل النافذة، وهو ما سيكون محور اختبار رئيسياً قبل زيارته المرتقبة للبيت الأبيض
حملة مكافحة الفساد: : شنت القوات الأمنية العراقية، بتنفيذ من رئيس الوزراء، حملة نوعية طالت "المنطقة الخضراء" في بغداد ومحافظات أخرى، وأدت إلى اعتقال العشرات، بينهم 12 نائباً ومسؤولين كبار، بتهم تتعلق بالفساد واختلاس الأموال العامة. وقد صادرت الحملة مبالغ طائلة، ومن أبرزها اكتشاف 11 مليون دولار و4 مليارات دينار عراقي مدفونة في مسبح لأحد المسؤولين.
التحضير لزيارة واشنطن: يبدو أن حملة مكافحة الفساد هذه هي خطوة لتعزيز موقفه قبل زيارته الرسمية المرتقبة إلى واشنطن في منتصف يوليو. ومن المقرر أن يناقش خلالها تعزيز التعاون الأمني والاقتصادي، وخاصة ملف نزع سلاح الميليشيات الموالية لإيران، وهو شرط أمريكي رئيسي.
النشاط الدبلوماسي الإقليمي: التقى الزيدي بأمين عام مجلس التعاون الخليجي في بغداد، حيث تعهد بتدشين "مرحلة جديدة" من العلاقات مع دول الخليج، وأعرب الجانب الخليجي عن استعداده لدعم الإصلاحات ومكافحة الفساد. كما أعلن عن خطط لزيارة تركيا وإيران والسعودية بعد واشنطن.
فصل ثان: من هو علي الزيدي؟ جذور الرجل وخلفياته
وُلد الزيدي عام 1986 في محافظة ذي قار، ويحمل خلفية أكاديمية تجمع بين المالية والمصرفية والقانون، مع درجة ماجستير في المالية والمصرفية. ترأس مجالس إدارة عدد من المؤسسات، أبرزها "الشركة الوطنية القابضة" و"جامعة الشعب" و"معهد عشتار الطبي" و"مصرف الجنوب"، وهو عضو في نقابة المحامين العراقيين.
وصفته صحيفة "نيويورك تايمز" بأنه "رجل أعمال بلا حياة سياسية عامة"، بينما يرى المحلل السياسي حمزة حداد أن كونه مصرفياً ومالكاً لقناة تلفزيونية يمنحه "وسائل التأثير على الناس والسياسيين". وجاء اختياره بعد أشهر من التوترات بين واشنطن وطهران، ما دفع القوى العراقية إلى البحث عن مرشح "محايد" نسبياً، يرضي الأطراف المتصارعة دون أن يثير حفيظة أي منها.
فصل ثالث: المشهد السياسي – هل الزيدي وحيد في المعركة؟
السؤال المشروع: هل الزيدي وحيد في معركته الإصلاحية، أم أن ثمة أطرافاً مخضرمة تقف خلفه أو إلى جانبه؟ المعطيات تشير إلى أنه ليس وحيداً، لكن داعميه ليسوا بالضرورة حلفاء في المعركة بقدر ما هم من أوصلوه إليها:
أولاً: "الإطار التنسيقي" – الكتلة السياسية الشيعية الأكبر في البرلمان، التي رشحته ودفعت بتكليفه. هذا الإطار الذي يضم فصائل مسلحة موالية لإيران هو ذاته الكيان الذي يسعى الزيدي اليوم إلى تقييد نفوذه. وهنا تكمن المفارقة الجوهرية: الرجل مدين بمنصبه للقوى ذاتها التي يحاول تحجيمها، وكأنه يحاول أن يقطع الغصن الذي يجلس عليه
ثانياً: الدعم الأمريكي – أعلن الرئيس دونالد ترامب دعمه ترشيح الزيدي وهنأه عقب تكليفه، وقد اعترض ترامب شخصياً على ترشيح نوري المالكي، وأبلغ المبعوث الأمريكي بأن واشنطن ستفرض عقوبات على العراق إذا ترشح المالكي. كما هددت واشنطن برفض التعامل مع أي حكومة تضم وزراء ينتمون إلى الفصائل المسلحة. وهذا الدعم، رغم قيمته السياسية، يضع الزيدي في موقف حرج: كيف يوازن بين رضا واشنطن ومتطلبات الإطار التنسيقي القريب من طهران؟
ثالثاً: شخصيات سياسية مناوئة – انسحب منافسون بارزون من المشهد، أبرزهم نوري المالكي ومحمد شياع السوداني، مما مهّد الطريق أمام الزيدي. ويُذكر أن كلاً من المالكي والسوداني ثمنا "مواقفهما التاريخية المسؤولة"، في إشارة إلى انسحابهما الطوعي، وهو ما يثير تساؤلات حول الاتفاقات الخلفية التي قادت إلى هذا التوافق.
رابعاً: قاعدة شعبية حذرة – تحظى خطوات الزيدي بترحيب شعبي حذر، لكن قطاعات واسعة من العراقيين لا تزال تنظر إلى الوعود بعين الشك، بعدما رفعت الحكومات السابقة شعارات مشابهة من دون تحقيق تغييرات ملموسة. إن أزمة الثقة بين الدولة والشارع ليست وليدة اليوم، بل هي تراكمية، والزيدي سيكون أمام اختبار صعب في استعادة هذه الثقة.
الخلاصة: االزيدي يتحرك في فضاء ضيق، مدين بمنصبه لقوى متناقضة: إطار تنسيقي قريب من إيران، ودعم أمريكي علني، وانسحاب خصوم سياسيين. هذه المعادلة تجعله يسير على حبل مشدود، إذ إن أي خطوة إصلاحية جريئة قد تفقده دعم أحد هذه الأطراف، في حين أن أي تراجع قد يفقده مصداقيته لدى الشارع.
فصل رابع: خطة الزيدي – إصلاحات جريئة أم وعود انتخابية؟
تعهد الزيدي في أول خطاب له أمام البرلمان بأن حكومته "ستكون حكومة خدمات وفرص وتنمية"، مؤكداً أن الأولوية ستمنح لتحسين الواقع المعيشي وإعادة الثقة بين الدولة والشارع. وحدد مساراته بثلاثة محاور رئيسية: الإصلاح المؤسسي، والبناء الاقتصادي من خلال تنويع مصادر الدخل واستثمار حقيقي، وإنشاء نظام مالي ومصرفي رصين.
أبرز الإجراءات حتى الآن:
إقالات مفاجئة في المواقع الحساسة – في حزيران 2026، أجرى الزيدي سلسلة تغييرات شملت إقالة أو استبدال ثلاثة مسؤولين كبار في مواقع أمنية ومالية بارزة: محافظ البنك المركزي علي العلاق، ورئيس جهاز الأمن الوطني عبد الكريم البصري (أبو علي البصري)، وآخرين. هذه الإقالات قرأها البعض كرسالة نية جادة لإعادة هيكلة الدولة، بينما رأى فيها آخرون محاولة لاسترضاء واشنطن عبر إبعاد شخصيات قريبة من طهران.
دعوة الفصائل للانضواء تحت مظلة الدولة – في 28 ايار مايو 2026، دعا الزيدي كل الفصائل المسلحة إلى العمل تحت مظلة الدولة، في وقت تضغط فيه الولايات المتحدة بشكل متزايد على بغداد لضبط سلاح الفصائل الشيعية الموالية لإيران. وجاءت دعوته تزامناً مع ترحيبه بقرار مقتدى الصدر بحل "سرايا السلام"، في محاولة لخلق زخم إيجابي حول مشروع حصر السلاح.
التوازن الدولي – يخطط الزيدي لزيارة واشنطن في منتصف تموز 2026، بعد دعوة من ترامب، تليها زيارات إلى السعودية وإيران وتركيا. ويؤكد أن علاقة بغداد بطهران "قائمة على حسن الجوار والاحترام والمصالح المشتركة"، مشدداً على أن العراق "لا يتبع سياسة المحاور أو العداء". لكن هذا التوازن، في زمن الصراع الإقليمي الحاد، قد يكون أشبه بالمشي على شفير السكين.
فصل خامس: العقبات – لماذا قد يفشل "قلب الطاولة"؟
نظام حصص متأصل: : يعتمد النظام السياسي العراقي على توازنات طائفية وحزبية معقدة، وهذه التوازنات هي التي صنعت الزيدي وأوصلته إلى السلطة. أي محاولة جذرية لكسرها قد تعني كسر اليد التي رفعته. فهل يمكن لمصلح أن ينجح وهو جزء من النظام الذي يحاول تغييره؟
الاعتماد على "الإطار التنسيقي": الزيدي هو مرشح الإطار التنسيقي، وهو نفسه الكتلة التي تضم الفصائل المسلحة التي يحاول تقييدها. كيف يمكن لمحاربة الفساد أن تنطلق من داخله، وكيف يمكن حصر السلاح بيد الدولة بينما الدولة نفسها ممسوكة بفصائل مسلحة؟
الفصائل المسلحة: التحدي الأكبر: تشير مصادر إلى أن الفصائل تتوقع وتخشى ضربات أمريكية تستهدف قواعدها، وقد وُضع أربعة من أهم قادتها على قائمة المطلوبين للإدارة الأمريكية. في المقابل، زار قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني بغداد مرتين منذ إعلان وقف إطلاق النار. العراق أصبح ساحة صراع بين واشنطن وطهران، والزيدي يحاول التوفيق بينهما في وقت يضيق فيه هامش المناورة.
حكومةغير مكتملة: : لا تزال 9 حقائب وزارية شاغرة بسبب خلافات حول نفوذ الفصائل، مما يشل عمل الحكومة ويعيق تنفيذ أي برنامج إصلاحي. إن استمرار هذا الشغور، الذي يبدو وكأنه مقصود، هو أحد أوضح مؤشرات ضعف الزيدي أمام القوى التي أوصلته إلى السلطة.
أزمة ثقة مع الشارع: يرى مراقبون أن الحكومة أمام اختبار حقيقي، فالشعب سمع وعوداً مشابهة من دون أن يلمس تغييراً فعلياً. ارتفاع الأسعار، وتراجع فرص العمل، وانقطاع الكهرباء، ما زالت تقمع حياة المواطنين، والزيدي بحاجة إلى إنجازات سريعة وملموسة قبل أن ينصرف عنه الشارع.
فصل سادس: هل يقترب الزيدي من نموذج الدولة القوية؟
نموذج "الدولة القوية" يشير إلى حكم يقوم على سيادة القانون، وحصر السلاح، وإصلاح المؤسسات، بعيداً عن المحاصصة والفساد. في هذا السياق، تبدو المؤشرات متضاربة:
المؤشرات الإيجابية: الإقالات المفاجئة في المواقع الأمنية والمالية تُقرأ كمشروع جاد لإعادة هيكلة الدولة. الدعوة إلى حصر السلاح بيد الدولة وحل الفصائل. محاولة إعادة صياغة العلاقة مع واشنطن على أساس شراكة اقتصادية وأمنية أوسع. التعهد ببرنامج اقتصادي وإصلاحي شامل، يتجاوز الوعود الخطابية إلى خطوات تنفيذية.
المؤشرات السلبية: الزيدي مرشح الإطار التنسيقي، وهو جزء من النظام الذي يحاول تغييره. الفصائل المسلحة لا تزال تمتلك نفوذاً واسعاً، ولم تسقط أي من قياداتها في شباك التوقيفات. الحرب في المنطقة جعلت العراق ساحة صراع إقليمي، ما يحد من هامش المناورة. الحكومة لا تزال ناقصة وغير مكتملة، مما يشير إلى استمرار الصراعات على النفوذ.
فصل سابع: الورقة التركية-الروسية – بديل عن الثنائية الأمريكية-الإيرانية
يغفل كثير من التحليلات الإقليمية حقيقة أن أي توازن جديد في العراق لا يمكن أن يقوم فقط على الثنائية الأمريكية-الإيرانية، بل لا بد من وجود أطراف إقليمية فاعلة أخرى. هنا تبرز أهمية العمق التركي-الروسي بوصفه بديلاً استراتيجياً أو مكملاً:
التوازن الاستراتيجي: الزيدي صرّح بأن العراق "لا يتبع سياسة المحاور". لكن لكي ينجح في "قلب الطاولة" على الفصائل الموالية لإيران والضغط الأمريكي، سيحتاج حتماً إلى فتح نافذة ثالثة. روسيا (عبر علاقاتها مع إيران والفصائل في سوريا) قادرة على لجم الأذرع المسلحة، وتركيا (عبر علاقاتها مع واشنطن في الناتو ومع بغداد اقتصادياً) قادرة على تقديم بديل للوجود اللوجستي الأمريكي. وإذا فشل الزيدي في التوازن بين واشنطن وطهران، فسيلجأ إلى موسكو وأنقرة كوسيطين إقليميين، وهو ما قد يُحدث تحولاً جوهرياً في الخريطة السياسية العراقية.
ممرات الطاقة والاقتصاد: نتحدث في قراءتنا هذه، عن تنويع الاقتصاد وإصلاح النظام المالي. لكن مشاريع الطاقة الكبرى (مثل خط أنابيب الغاز من العراق إلى تركيا ثم إلى أوروبا، أو ممر طريق التنمية الذي يربط الخليج بتركيا عبر العراق) لا يمكن أن تمر دون دور تركي فاعل. سيكون "العمق التركي" هو الممر الحيوي لخروج النفط والغاز العراقي إلى الأسواق الأوروبية عبر المتوسط، بينما سيكون "العمق الروسي" حاضراً في التسعير النفطي والسياسات الإنتاجية ضمن "أوبك+". وأي استقرار في شرق المتوسط (خاصة في سوريا ولبنان) سينعكس إيجاباً على أمن الطاقة العراقي، وهنا يبرز الدور الروسي-التركي كضامن لاتفاقات وقف إطلاق النار.
الملف الأمني ومكافحة الإرهاب: التركيز على حصر السلاح بيد الدولة لا يواجه تحديات الفصائل المدعومة من إيران فقط، بل هناك فلول تنظيم داعش (منظمة محظورة في روسيا) في المناطق الصحراوية الغربية والشمالية. تركيا وروسيا تملكان خبرات وتنسيقات أمنية مع العراق في هذا الملف (خاصة عبر مركز بغداد للمعلومات الاستخباراتي الذي يضم روسيا وإيران وسوريا والعراق). إذا أراد الزيدي فرض هيبة الدولة، فسيحتاج إلى تنسيق أمني مع هذه الأطراف لتأمين حدوده، وهذا يمنح "العمق التركي-الروسي" مكانة تشغيلية مستقبلية لا يمكن تجاهلها.
الخلاصة: الخلاصة: إغفال البعد التركي-الروسي في قراءة المشهد العراقي هو فجوة تحليلية كبرى. مستقبلاً، لن يكون هذا العمق بديلاً كاملاً عن الثنائية الأمريكية-الإيرانية، بل "رافعة توازن" للزيدي. وعندما يفشل في كسر الجمود بين واشنطن وطهران، فإن زيارته المرتقبة لتركيا ستتحول من زيارة بروتوكولية إلى زيارة استراتيجية لإعادة تعريف الأمن الإقليمي، كما أن التفاهمات الروسية-التركية في سوريا وليبيا أصبحت النموذج السائد في شرق المتوسط لتحقيق "الهدوء السلمي". لذا، سيكون على الزيدي أن يقرأ هذا العمق جيداً، وإلا فإن مشروعه سيظل أسير الساحة الضيقة بين واشنطن وطهران.
فصل ثامن: توجه غرباً – احتمال التقارب السوري-العراقي ودلالاته
في سياق الحراك الدبلوماسي المكثف الذي يقوده الزيدي، والذي يشمل واشنطن وطهران وأنقرة والرياض، تبرز إشارات متزايدة إلى احتمال توجيهه بصره غرباً نحو دمشق، في إطار تقارب سوري-عراقي قد يحمل أبعاداً استراتيجية عميقة. هذا التوجه، الذي لم يُعلن عنه رسمياً بعد، يمكن قراءته على عدة مستويات:
البعد الامني: سوريا والعراق يشتركان في حدود طويلة وشائكة، تمتد لأكثر من 600 كيلومتر، وتشهد تحركات لعناصر تنظيم داعش (منظمة محظورة في روسيا) في المناطق الصحراوية. أي تعاون أمني مباشر بين بغداد ودمشق، بالتنسيق مع موسكو وطهران، من شأنه أن يعزز جهود حصر السلاح ومكافحة الإرهاب، ويقطع الطريق على أي محاولات لاستغلال الحدود المشتركة لنقل الأسلحة أو المقاتلين.
البعد الاقتصادي والطاقوي: إعادة فتح خطوط أنابيب النفط والغاز بين العراق وسوريا، أو تفعيل ممرات التبادل التجاري، يمكن أن يشكل متنفساً اقتصادياً للبلدين في ظل العقوبات والضغوط الدولية. كما أن استقرار سوريا ينعكس إيجاباً على أمن الطاقة العراقي، خصوصاً في ما يتعلق بملف الغاز المصري والكهرباء الأردنية التي تمر عبر الأراضي السورية.
البعد السياسي والتفاوضي: التوجه نحو دمشق قد يكون ورقة تفاوضية بيد الزيدي في مواجهة الضغوط الأمريكية والإيرانية على حد سواء. فمن جهة، يظهر استقلالية القرار العراقي وعدم انحصاره في المحورين التقليديين، ومن جهة أخرى، يمنحه مساحة إضافية للمناورة في ملف الفصائل المسلحة، حيث أن بعض هذه الفصائل لها وجود وامتداد في سوريا. وقد يكون هذا التقارب بمثابة رسالة إلى واشنطن بأن بغداد تملك بدائل استراتيجية، وإلى طهران بأن التعاون مع العراق لا يمر حصراً عبر دمشق.
الارتباط بالعمق التركي-الروسي: لا يمكن فصل أي تقارب سوري-عراقي عن الإرادة الروسية-التركية، إذ أن موسكو وأنقرة هما الضامنان الأساسيان لوقف إطلاق النار في سوريا، ولهما مصالح حيوية في استقرار شرق المتوسط. وبالتالي، فإن فتح قناة اتصال مباشرة مع دمشق قد يكون مكملاً للدور التركي-الروسي في المنطقة، بل قد يمنح الزيدي غطاءً إضافياً لموازنة نفوذ الفصائل الموالية لإيران في الداخل العراقي، عبر الاستفادة من التفاهمات الروسية-الإيرانية في سوريا.
الخلاصة: الخلاصة: التوجه غرباً نحو سوريا ليس مجرد خيار دبلوماسي ثانوي، بل قد يشكل ركيزة أساسية في استراتيجية الزيدي لتوسيع هامش المناورة وكسر الجمود الثنائي بين واشنطن وطهران. وإذا ما نجح في بناء جسر تواصل مع دمشق، مع الحفاظ على علاقاته مع أنقرة وموسكو، فسيتمكن من تقديم نفسه كصانع توازن إقليمي، وليس مجرد لاعب في لعبة القوى الكبرى. لكن هذا المسار محفوف بمخاطر كبيرة، أبرزها إثارة حفيظة واشنطن التي تفرض عقوبات على النظام السوري، أو إثارة مخاوف الفصائل المسلحة الموالية لإيران من تحول الزيدي إلى لاعب مستقل. ومع ذلك، تبقى هذه الخطوة مؤشراً على أن الزيدي يقرأ الخريطة الإقليمية بأبعادها المتشابكة، ويحاول استغلال كل الفرص المتاحة لتعزيز مشروعه الإصلاحي والدولي.
فصل تاسع: مقاربة بين صعود بوتين وصعود الزيدي – هل يمكن للثاني أن يصل إلى مستوى الأول؟
يمكن النظر إلى المقارنة بين فلاديمير بوتين وعلي الزيدي باعتبارها مقاربة بين "صنع القوة من العدم" و"إدارة الضعف في لحظة حرجة". فثمة تشابهات شكلية، لكنها جوهرية الاختلاف:
أوجه التشابه:
الصعود السريع بغطاء من القمة: بوتين صعد بغطاء من بوريس يلتسين، والزيدي صعد بغطاء من الإطار التنسيقي ودعم أمريكي. كلا الرجلين لم يكونا من المؤسسة السياسية التقليدية بالمعنى الضيق، وإنما جاءا من خلفيات مختلفة (بوتين من المخابرات، والزيدي من قطاع الأعمال). رهان الإصلاح في مواجهة الفساد والمحاصصة: بوتين واجه الأوليغارشية الروسية، والزيدي يواجه نظام المحاصصة الطائفية. كلا الرجلين وعدا بإنهاء نفوذ النخب المستفيدة من الفوضى. التوازن الدولي الصعب: بوتين واجه توسع الناتو، والزيدي يواجه صراعاً بين واشنطن وطهران على أرضه. كلا الرجلين حاولا أن يلعبا دور "الوسيط" أو "صانع التوازن".
الرهان على الإصلاح: مواجهة الفساد ونظام المحاصصة "واجه بوتين النخبة الأوليغارشية الروسية، بينما يواجه الزيدي نظام المحاصصة الطائفية. وكلاهما وعد بوضع حد لنفوذ النخب التي تستفيد من الفوضى."
توازن دولي صعب: "واجه بوتين توسع الناتو، بينما يواجه الزيدي الصراع بين واشنطن وطهران على أرضه. وقد حاول كلاهما لعب دور "الوسيط" أو "صانع التوازن"."
الاختلافات الأساسية:
مركز القوة: "وصل بوتين إلى سلطة مركزية قوية في روسيا، حيث الرئيس هو مركز اتخاذ القرار. أما الزيدي فقد وصل إلى سلطة هشة في نظام طائفي برلماني، تتقاسمه كتل متخاصمة، حيث الرئيس (أو رئيس الوزراء) ليس سوى أحد عناصر معادلة معقدة."
أدوات التحكم: "اعتمد بوتين على جهاز أمني قوي وخبرة استخباراتية مكّنته من تقييد خصومه. أما الزيدي، فليس لديه جهاز أمني خاص به، بل يعتمد على مؤسسات حكومية تخضع لتأثير الفصائل التي يحاربها."
الهدف الاستراتيجي: "قاد بوتين مشروعاً طموحاً لإعادة رسم ميزان القوى في روسيا والعالم. أما الزيدي، فيبدو أنه حتى الآن نتاج ميزان القوى القائم، يحاول التوفيق بين الأطراف المتصارعة، دون أن يمتلك مشروعاً طموحاً للتغيير الجذري."
غرفة للمناورة: "تحرك بوتين في بيئة دولية أقل تعقيداً في بداية مسيرته، بينما يتحرك الزيدي في أتون صراع إقليمي مكشوف، وتنافس بين القوى الكبرى، ونظام سياسي منهك."
الخلاصة: "مقارنة الشخصيتين هي أشبه بمقارنة «خلق القوة من العدم» بـ«إدارة الضعف في لحظة حرجة». كان نجاح بوتين يُقاس بقدرته على تقييد منافسيه وتوسيع نفوذه، بينما سيُقاس نجاح الزيدي بقدرته على المناورة بين الأطراف المتصارعة، دون أن يسمح لسفينته بالغرق. لقد غيّر بوتين ميزان القوى في روسيا والعالم؛ أما الزيدي، ففي أفضل الأحوال، قد يحقق نجاحات محدودة في استقرار العراق، لكنه بعيد كل البعد عن أن يكون نسخة من بوتين، لأن السياق التاريخي والجغرافي والسياسي مختلف تماماً، وأدوات السلطة في يديه محدودة ومشروطة."
الخلاصة: المشي على الحبل – بين العوامل الداخلية والخارجية، والنظر نحو الغرب، باتجاه دمشق.
"يمثل علي الزيدي اليوم تجسيداً للتناقض البنيوي الذي يطبع المشهد السياسي العراقي: فهو شخصية مستقلة في مظهرها، لكنها وليدة المؤسسة ذاتها، إذ أوصلته إليها آليات النظام نفسه الذي يسعى إلى إصلاحه. وما يقوم به ليس مجرد إدارة يومية، بل محاولة لإحداث 'انقلاب داخل الطاولة'، أي تغيير قواعد اللعبة من داخلها، وهو طموح ليس مستحيلاً، لكنه ينطوي على مخاطرة وجودية، كمن يعبر حبلاً مشدوداً فوق هوّة مفتوحة. على المستوى الداخلي، يواجه الزيدي نظام محاصصة متصلباً ومتجذراً، لا يقتصر على كونه ترتيباً سياسياً، بل إطاراً لتوزيع النفوذ والثروة، إلى جانب فصائل مسلحة تمتلك أدوات ضغط ميدانية وسياسية وقانونية تمنحها حق النقض (الفيتو) على أي قرار جوهري. أما خارجياً، فهو مضطر للعب على الحبال المشدودة بين أربع عواصم كبرى - واشنطن، طهران، أنقرة، وموسكو - تتصارع مصالحها فوق الأرض العراقية، مع تصاعد مؤشرات على أن بوصلة التصعيد الإقليمي قد تتجه غرباً، نحو دمشق، مما قد يفرض على بغداد وقائع جديدة تختبر هشاشة معادلاتها الحالية. في المحصلة، نجاح الزيدي لن يُقاس بما سيحققه من إنجازات بالمعنى التقليدي، بل بقدرته على الإبقاء على الدولة في حالة توازن دون انهيار، وعلى إعادة تعريف هامش المناورة العراقي في بيئة إقليمية مضطربة، وهو اختبار حقيقي لما إذا كانت النخبة السياسية العراقية قادرة على تجاوز أزمتها البنيوية أم ستظل أسيرة لتناقضاتها الداخلية وخياراتها الخارجية."
"لكن التحدي الأكبر ربما لا يكمن في إقالة المسؤولين، بل في اجتثاث جذور نظام المحاصصة والفساد الذي أنجبه. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل الزيدي مجرد أداة في اللعبة الكبرى بين واشنطن وطهران، أم أنه يحمل مشروعاً وطنياً حقيقياً؟ وهل سيشكل البعد التركي - الروسي، إلى جانب التقارب السوري - العراقي، عامل توازن له، أم سيظل رهينة الصراع الثنائي التقليدي؟"
"التاريخ الحديث للعراق لا يبشر بالخير، لكن المفاجآت هي ذاتها ما أوصل الزيدي إلى المشهد. ولعلّ أكبر المفاجآت لا يزال في انتظار العراق. ففي بلد اعتاد أن يفاجئ العالم، قد يكون الزيدي نفسه المفاجأة القادمة، أو قد لا يكون سوى حلقة أخرى في سلسلة طويلة من الإخفاقات. الزمن وحده كفيل بأن يحدد ما إذا كانت 'الانقلاب على الطاولة' ستكون فعلاً فاتحة عهد جديد، أم مجرد حركة عابرة في رقصة المحاصصة التي لا تنتهي. وكذلك، هل ستكون النظرة نحو الغرب مخرجاً من المأزق، أم دخولاً في متاهة جديدة؟"
الكاتب :"مراقب سوراقي"