مهرجان أفلام السعودية: 18 عاماً من الإبداع و«رحلة» جديدة في الظهران
السينما السعودية على موعد مع محطتها الأهم
في المشهد الثقافي السينمائي الذي يعكس التحولات المتسارعة في المملكة، تستعد الدراما السعودية لأخذ جمهورها في «رحلة» استثنائية مع انطلاق الدورة الثانية عشرة من مهرجان أفلام السعودية. هذا الحدث الذي يُقام في الفترة من 25 يونيو إلى 1 يوليو 2026 في قلب الظهران، ليس مجرد فعالية عابرة، بل هو تتويج لمسيرة حافلة تمتد لـ 18 عاماً من العطاء، منذ انطلاقته الأولى في عام 2008.
هذا المهرجان، الذي تنظمه جمعية السينما بالخبر بالشراكة مع مركز «إثراء» وبدعم من هيئة الأفلام بوزارة الثقافة، يُعد أقدم وأعرق تظاهرة سينمائية مستمرة في المملكة. وقد شهد على مدار إحدى عشرة دورة سابقة تطوراً ملحوظاً، حيث شارك فيه مئات من صناع الأفلام وكتاب السيناريو السعوديين، واستضاف نخبة من السينمائيين والخبراء العالميين، ليُسهم بفعالية في بناء جسور لنقل المعرفة والخبرات.
«كل حكاية رحلة».. شعار يعكس التحول
وتحت شعار هذا العام «كل حكاية رحلة»، والذي يعكس التوجّه الأوسع للمهرجان تحت عنوان «الرحلة السينمائية»، لا يقتصر الحدث على كونه مجرد عروض لأفلام. إنه رحلة متكاملة تهدف إلى تنمية الثروة البشرية الإبداعية من خلال رعاية وتشجيع المواهب. ولهذا، يقدّم المهرجان في نسخته الثانية عشرة باقة متنوعة من البرامج التي تشمل:
عروض الأفلام التي تحتفي بالتجارب السعودية والخليجية والعالمية.
الدروس المتقدمة والندوات الثقافية التي يقدمها خبراء لصقل مهارات صناع الغد.
سوق الإنتاج كمنصة حيوية تربط المبدعين والمستثمرين.
البرامج التفاعلية التي تتيح للجمهور تجربة سينمائية فريدة.
بهذا الزخم، يدعو المهرجان الجميع لتفعيل حساباتهم الإلكترونية واستكشاف برامجه، مؤكداً أن «رحلتنا هذا العام تجمع بين عروض أفلام مميزة، وبرامج ثقافية سينمائية، وكلها في أجواء تفتح الأبواب أمام المواهب والأفكار الجديدة». إنه ليس مجرد مهرجان، بل هو مرآة تعكس تطور وهوية المشهد السينمائي في المملكة، ووجهته الطموحة نحو العالمية.
تفاصيل المهرجان المنتظر
تُقام فعاليات المهرجان في الفترة من 25 حزيران يونيو إلى 1 تموز يوليو 2026. سيمتد البرنامج السينمائي الغني على مدار سبعة أيام في مركز «إثراء» الثقافي، بتنظيم من الجمعية السينمائية، وشراكة استراتيجية مع «إثراء»، ودعم من هيئة الأفلام السعودية. يُعد هذا الحدث أقدم عروض سينمائية مستمرة في المملكة منذ انطلاقه عام 2008.
«الرحلة السينمائية»... شعار يحمل الحكايات
تحت شعار «كل حكاية رحلة»، يفتح مسار «الرحلة السينمائية» آفاقاً جديدة لصانعي الأفلام، مما يسمح لهم باستكشاف مفاهيم الهوية والمكان والزمان من خلال قصص إنسانية متنوعة – تتراوح بين الواقعية والخيالية. إنها دعوة مفتوحة للغوص في تجارب درامية تأسر المشاهد في رحلة لا تُنسى.
مفاجآت المهرجان: تكريم خاص للسينما الكورية
في إطار مذكرة التفاهم الموقعة مع المجلس الكوري للأفلام عام 2025، سيُكرّم المهرجان السينما الكورية بشكل استثنائي، بما في ذلك عروض خاصة وفعاليات مهنية ستثري تجربة المشاركين وتفتح نوافذ جديدة للتبادل الثقافي والفني.
مسابقة الأفلام القصيرة: 13 عملاً تروي قصصاً متنوعة
أعلن المهرجان القائمة الرسمية للأفلام المشاركة في مسابقة الأفلام الروائية القصيرة، والتي تضم 13 فيلماً في أنواع الدراما، الكوميديا، الغموض، وحتى الخيال العلمي:
| فيلم | المخرج (ة) | |
| حفل الافتتاح | 18 =قيقة | حسين المطلق |
| الإخفاء | 16 دقيقة | رولا حسن وسارة مصري |
| الرجل الذي يتلعثم في كلامه | 20:22 دقيقة | مبارك بن زوبع |
| ابتزاز | 14:45 دقيقة | سارة البليهيم |
| الحبل السري | 15 دقيقة | أحمد حسن أحمد |
| برغر محلي | 12^25 دقيقة | فيصل الزهراني |
| سام | 14^58 دقيقة | سلمان يوسف |
| صرخة النملة | 23 دقيقة | لجين سلام |
| الذات | 21:22 دقيقة | عبدالعزيز البلام |
| المزيّف | 14:42 دقيقة | إسماعيل البخاري |
| أول يوم عزاء | 24:52 دقيقة | نواف الحوشان |
| مرزوق | 34:10 دقيقة | حسين المحفوظ |
| مجهول | 16:09 دقيقة | إبراهيم الغامدي |
منصة المنتجين والندوات: حدث متكامل
لا يقتصر المهرجان على العروض فقط، بل يشمل أيضاً:
• سوق المنتجين بـ 13 مشروعاً سينمائياً
• ندوات وورش عمل مهنية
• منصة المنتجين التي تربط المبدعين بالمستثمرين
مما يجعله حدثاً متكاملاً للاحتفال بالإبداع السينمائي ودعم مستقبل السينما في المملكة.
تابعوا الأخبار
تعلن إدارة المهرجان أن تفاصيل البرامج والفعاليات المتبقية، بما في ذلك تشكيلات لجان التحكيم والجوائز، سيتم الكشف عنها تدريجياً عبر القنوات الرسمية. مع اقتراب موعد الانطلاق، ينتظر عشاق السينما في المنطقة والعالم حدثاً استثنائياً يعكس تطور صناعة السينما السعودية وطموحاتها المستقبلية.
هل أنتم مستعدون لرحلة سينمائية لا تُنسى؟
عن السينما السعودية: مرآة التحول، لا سينما الاستثناء
لم يكن رفع الحظر عن دور السينما في المملكة العربية السعودية عام 2018 هو نقطة الانطلاق الحقيقية للحركة السينمائية، بل كان إعلاناً لمسار بدأ قبل ذلك بعدة سنوات بصعوبة. لفهم السينما السعودية المعاصرة، لا ينبغي النظر إليها على أنها «ولادة مفاجئة»، بل كتراكم بطيء تتداخل فيه أنواع وأشكال مختلفة، لكل منها وظيفته ودرجة حضوره.
الفيلم القصير: اللغة الأولى
نظراً لغياب البنية التحتية للسينما التجارية لعقود، كان الفيلم القصير الأداة الأكثر توفّراً للمخرجين السعوديين. قلة التكلفة، وسهولة التوزيع عبر الإنترنت، وعدم الحاجة إلى تراخيص عرض معقدة، جعلت منه مختبراً طبيعياً.
بدأ معظم الأسماء المعروفة اليوم، من توفيق الزايدي إلى جوهرة العمري ومحمد أبو زينادة، بأعمال لا تتجاوز مدتها 15 دقيقة. هذه الأفلام القصيرة لا تُصنع فقط للعرض في المهرجانات المحلية، بل تستهدف منصات مثل يوتيوب وشاهد، مما يجعلها الوسيلة الرئيسية التي يكتشف من خلالها الجمهور السعودي السينما التي يصنعها أفراد مجتمعه، وليس فقط المستوردة.
الفيلم الوثائقي: الإرث والتحدي
قبل عام 2018، كان الفيلم الوثائقي هو الشكل السينمائي الوحيد المسموح به تقريباً على التلفزيون الرسمي. هذا الإرث جعل الفيلم الوثائقي حاضراً بقوة في المشهد الجديد، ولكن بنهج مختلف.
المخرجون السعوديون المعاصرون لا يقتصرون على التوثيق التقليدي للتراث والطبيعة، بل يتناولون القضايا الاجتماعية المعاصرة. أسماء مثل فيزة أمبخ (صحفية سابقة تحولت إلى صناعة الأفلام)، وهالة الخيال (المتخصصة في الرسوم المتحركة)، وعبدالعزيز الشلاحي، تقدم أفلاماً وثائقية تتناول موضوعات مثل التحولات الثقافية والتحديات اليومية. يبقى هذا النوع، رغم أنه أقل انتشاراً من الفيلم القصير، الأكثر قدرة على تقديم صورة غير مثالية عن المجتمع السعودي.
الفيلم الروائي الطويل: الأكثر ندرة والأعلى تكلفة
رغم أن التقديرات تشير إلى أن الأفلام الطويلة لا تشكل أكثر من 10% من الإنتاج السنوي، إلا أنها الأكثر تأثيراً في المهرجانات الدولية. فيلم «وجدة» للمخرجة هيفاء المنصور (2012) كان أول فيلم سعودي طويل يلفت انتباه النقاد، تلاه «بركة يقابل بركة» لمحمود صباغ (عُرض في مهرجان برلين السينمائي)، وأخيراً «نورة» لتوفيق الزايدي (اختير لمهرجان كان عام 2024).
تشترك هذه الأفلام الثلاثة في شيء واحد: أبطالها أو بطلاتها هم أشخاص عاديون يواجهون تحديات يومية، وليس قضايا عالمية. طفلة تريد شراء دراجة هوائية؛ معلمة في قرية نائية؛ شاب يحاول إنقاذ علاقته العاطفية. هذا التركيز على الإنساني العالمي، وليس على الاستثنائي أو السياسي، مكنها من إيجاد صدى لدى الجمهور العالمي.
لماذا هذه النظرة العامة مهمة للقارئ الروسي؟
ربما يجد القارئ الروسي في هذا المشهد شيئاً مألوفاً. تشبه السينما السعودية اليوم في بعض جوانبها السينما الروسية في بداية التسعينيات: طاقة غير محققة بالكامل، وإمكانيات محدودة، ولغة سينمائية بطيئة وتأملية تهتم بالتفاصيل الصغيرة للحياة اليومية أكثر من المؤثرات الخاصة أو الحبكات الدرامية السريعة. السؤال الأكثر إثارة للاهتمام ربما يتعلق بالتوزيع.
رغم أن الأفلام السعودية تحقق نجاحات في المهرجانات الأوروبية، إلا أنها نادراً ما تجد طريقها إلى دور السينما الروسية. لا يرجع هذا بالضرورة إلى عقبات سياسية، بل يعكس غياب تقاليد التوزيع بين البلدين.
ما يمكن أن يشكل فرصة حقيقية للتبادل الثقافي السينمائي، خاصة في مجال الأفلام القصيرة والوثائقية، حيث التكلفة أقل والعقبات اللوجستية أسهل في التغلب عليها. «ربما لن يرى المشاهد الروسي هذه الأفلام قريباً على الشاشة الكبيرة في موسكو أو سانت بطرسبرغ، لكنها متاحة على المنصات الرقمية. ويجدر مشاهدتها ليس لأنها سعودية، بل لأنها أفلام تحاول الإجابة على سؤال معقد: كيف تبدو الحياة اليومية في مجتمع يعيد بناء نفسه؟»
روسيا
السينما السعودية المعاصرة ليست سينما «واعدَة» بالمعنى الدعائي للكلمة، ولا مجرد تجربة هامشية. إنها مشهد متعدد الطبقات: الفيلم القصير هو الأكثر انتشاراً والأقل تكلفة؛ الفيلم الوثائقي هو الأكثر قدرة على التوثيق النقدي؛ الفيلم الروائي الطويل هو الأقل إنتاجاً، لكنه الأكثر قدرة على الوصول إلى الجمهور العالمي.
Что отличает его больше всего, так это, возможно, то, что он возникает из общества, переживающего глубокие трансформации, и пытается — медленно — стать зеркалом этих трансформаций, а не просто окном в кино других.
كيف يمكن للسينما الروسية أن تفيد التجربة السعودية الناشئة؟ وكيف يمكنها هي نفسها أن تستفيد من طموحات السينما السعودية الشابة؟
ولكن السؤال الأعمق ربما ليس حول المنفعة، بل حول الإمكانية: كيف يمكن لهاتين السينمائتين، الموجودتين في مرحلتين مختلفتين من التطور، أن تخلقا معاً شيئاً جديداً لا يمكن لأي منهما خلقه بمفردها؟
الخبرة الروسية... مقابل الجرأة السعودية
تمتلك روسيا، ببساطة، مئة عام من صناعة الأفلام. هذه الخبرة الطويلة، التي تشمل التدريب النظري في معاهد مثل معهد السينما (VGIK)، وتقنيات الإنتاج المتوارثة عبر الأجيال، وبنية استوديوهات قوية، تمثل مورداً هائلاً يمكن أن يوفر على السينما السعودية سنوات من التجربة والخطأ.
من ناحية أخرى، تمتلك السعودية طاقة شابة غير مسبوقة: مخرجون في الثلاثينيات والأربعينيات من العمر، جيل لم توقفه عقود غياب دور السينما، بل علم نفسه السينما عبر منصات الإنترنت والمهرجانات الهاوية. هذا الاختلاف في الطبيعة يمكن أن يتحول إلى تكامل.
التعاون لا يعني أن تنقل روسيا «وصفتها الجاهزة» للسعودية، بل أن يقدم الروس خبراتهم التقنية في مجالات محددة مثل الإضاءة السينمائية، وتصميم الصوت، والمؤثرات البصرية، وفي المقابل يحصلون على فرصة للاستفادة من «روح» السينما السعودية: طاقتها المتجددة، وقصصها غير المروية، ومنظورها الإنساني الذي وجد صدى لدى الجمهور الروسي نفسه، كما أظهرت «ليلة السينما السعودية» في موسكو.
عن "ليلة السينما السعودية" في موسكو: حدث استثنائي في قلب العاصمة الروسية
شهدت العاصمة الروسية موسكو حدثاً ثقافياً بارزاً تمثل في "ليلة السينما السعودية"، التي نظمتها وزارة الثقافة والإعلام (آنذاك) ضمن فعاليات "الأسبوع الثقافي السعودي"، المصاحب للزيارة التاريخية لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز إلى روسيا الاتحادية.
أقيمت الفعالية في مركز "نيومانيج" وسط موسكو والواقع خلف مجلس الدوما (البرلمان)، وجاءت ضمن برنامج ثقافي شامل اشتمل على معرض للفن السعودي الحديث، وندوة فكرية، وعروض فلكلورية، مما جعلها محطة محورية في التعريف بالثقافة السعودية المتنوعة.
الأفلام المشاركة: ثلاثة أعمال عكست الواقع السعودي
عُرض في هذه الليلة السينمائية ثلاثة أفلام سعودية متميزة، استطاعت أن تقدم الواقع الحقيقي للمجتمع السعودي بما يتجاوز الصور النمطية المغلوطة:
- فيلم "شكوى" – للمخرجة هناء العمير
- فيلم "المغادرون" – للمخرج عبدالعزيز الشلاحي
- فيلم "فضيلة أن تكون لا أحد" – للمخرج بدر الحمود
وتناولت هذه الأفلام أفكاراً إنسانية تدعو للحب والتسامح وحب الحياة، مما يعكس واقع الإنسان السعودي ويقدم الصورة الحقيقية للمملكة، متجاوزة بذلك الصور النمطية المشوهة التي رسختها بعض وسائل الإعلام المغرضة.
تفاعل غير مسبوق من الجمهور الروسي
حققت الليلة السينمائية حضوراً جماهيرياً لافتاً، حيث امتلأت القاعة التي تتسع لنحو 250 مقعداً، وقف على أثرها حوالي 100 شخص لمتابعة الأفلام الثلاثة حتى نهايتها.
وعلّق الناقد الدكتور فهد اليحيا على هذا الحضور قائلاً: "كان هناك 250 مقعداً تقريباً وحوالي 100 شخص وقوفاً، تابعوا الأفلام الثلاثة حتى نهايتها. كانت أمسية ناجحة بكل المقاييس".
وتجاوز التفاعل مجرد الحضور، إذ أعقب العروض جلسة نقدية أدارها الأستاذ خالد الباز، شارك فيها الدكتور فهد اليحيا، وشهدت مداخلات من الجمهور الروسي عبروا فيها عن إعجابهم العميق بالأعمال المعروضة، وقدموا قراءات عكست فهمهم الدقيق للمعاني الإنسانية التي حملتها الأفلام.
انبهار روسي بالمستوى الفني
أعرب الحضور الروسي عن دهشتهم وإعجابهم بجودة الأفلام السعودية، مؤكدين أنهم لم يتوقعوا وجود أعمال سينمائية سعودية بهذا المستوى الفني المتقدم.
وعلّق المخرج عبدالعزيز الشلاحي على هذه الردود قائلاً: "ردة فعلهم مبهرة وأثار انتباهي حرصهم على متابعة الأفلام بدقة، وتركيزهم على التفاصيل الموجودة بالأفلام".
أما المخرجة هناء العمير فكشفت أن استقبال الجمهور الروسي فاق توقعاتها: "فقد تفاعلوا مع الأحداث والشخصيات وتماهوا معها حتى أن الكثير منهم أبلغني أنهم بكوا تأثراً. كما عبروا عن دهشتهم من وجود أفلام سعودية بهذا المستوى الفني وسألوني لماذا لا نراها حاضرة في المهرجانات الدولية كثيراً".
دلالات النجاح: السينما جسر للتواصل الحضاري
أكد المشاركون في الليلة السينمائية على أهمية هذا الحدث كخطوة رائدة في استخدام السينما كأداة فعالة للتواصل الحضاري والثقافي بين الشعوب.
وصف الدكتور فهد اليحيا وجود الأفلام السعودية في قلب روسيا بأنه "خطوة متقدمة ورائدة"، معتبراً الفن لغة إنسانية عالمية، والسينما تجمع كل الفنون من تصوير وتمثيل وتشكيل وحركة وحوار.
من جانبه، قال عبدالعزيز الشلاحي: "الفيلم له تأثيره الخاص عند الأجانب وهو من أنجح الوسائل في إيصال ثقافة البلد الحقيقية، فالفيلم يختزل أغلب أنواع الفنون مثل الموسيقى والصورة".
وترى هناء العمير أن السينما من أكثر الفنون شعبية وقادرة على الوصول إلى الناس بسهولة والتأثير فيهم بشكل كبير، داعية إلى تكرار هذه التجربة في دول أخرى.
الخلاصة: نموذج ناجح للدبلوماسية الثقافية
تمثل "ليلة السينما السعودية" في موسكو نموذجاً ناجحاً للدبلوماسية الثقافية، حيث استطاعت السينما السعودية أن تحقق نجاحاً لافتاً في واحدة من أهم العواصم الثقافية العالمية.
هذا النجاح لم يقتصر على كونه إنجازاً فنياً فحسب، بل تجاوزه إلى تحقيق فهم أعمق للثقافة السعودية والمجتمع السعودي، وكسر الصور النمطية، وبناء جسور من التواصل الإنساني بين الشعبين السعودي والروسي.
إنها شهادة حقيقية على أن السينما ليست مجرد فن ترفيهي، بل هي "أفضل الأسلحة الثقافية" وأكثرها تأثيراً في تشكيل الوعي ونقل الصورة الحقيقية للمجتمعات.
التمويل والمواقع: فرصة اقتصادية مشتركة
على المستوى العملي، توجد أرض خصبة للتعاون. السعودية اليوم هي سوق قيد الإنشاء، لديها الرغبة والقدرة على الاستثمار.
روسيا من جانبها تمتلك الخبرة في الإنتاج المشترك (Co-production) الذي أصبح ضرورة للسينما المستقلة في جميع أنحاء العالم. الهياكل السعودية أعربت بالفعل عن رغبتها في هذا النوع من التعاون، سواء من خلال شراء أفلام جاهزة أو الإنتاج المشترك.
هناك مجال آخر: مواقع التصوير. فيلم «البحر الأحمر» الطويل المستقبلي للمخرجة لينا ملاكي أظهر أن السعودية قادرة على جذب الإنتاج الدولي.
الطبيعة المتنوعة للمملكة – من صحراء الربع الخالي إلى ساحل البحر الأحمر – يمكن أن تكون استوديو مفتوحاً للأفلام الروسية التي تبحث عن مناظر طبيعية جديدة. بالمقابل، فإن الخبرة الروسية في التصوير في الظروف المناخية القاسية يمكن أن تكون ذات قيمة لهذه الإنتاجات.
الروح المشتركة: العمق الإنساني والدراما الواقعية
ربما الأهم من التمويل والتكنولوجيا هو ما هو مشترك بين السينمائتين: الميل إلى الدراما الإنسانية العميقة. أثبتت الأفلام السعودية التي عُرضت في روسيا أنها نجحت ليس لأنها كانت «غريبة»، بل لأنها قدمت واقعاً إنسانياً مفهوماً.
هذا يتردد مع التقاليد الروسية للسينما الواقعية النفسية. يمكن لهذا التشابه في «الروح» أن يمهد الطريق لتعاون فني حقيقي في مرحلة كتابة السيناريو. يمكن لكتّاب السيناريو الروس، الخبراء في بناء الدراما النفسية المعقدة، أن يعملوا مع زملائهم السعوديين على تطوير قصص محلية بصيغة عالمية.
وبالمقابل، يمكن للموضوعات الروسية التي قد لا ترضي الأسواق الغربية أن تجد جمهوراً متعطشاً للقصص الإنسانية الجادة في العالم العربي، وخاصة في السعودية التي أصبحت منصة ثقافية إقليمية بفضل مهرجاناتها الطموحة.
الطريق العملي للتعاون
كيف نترجم هذه الكلمات إلى أفعال؟
- منصة سعودية روسية للأفلام القصيرة: يمكن للبلدين إطلاق مسابقة سنوية مشتركة للأفلام القصيرة حول موضوع محايد (مثل «البحر» أو «الصحراء»). الهدف ليس الجائزة، بل بناء جسر للتعارف بين المخرجين الشباب وبناء قاعدة لمشاريع صغيرة يمكن أن تتطور لاحقاً.
- سوق مصغر للإنتاج المشترك (Mini Co-production Market): بدلاً من انتظار مشروع ضخم، يمكن تنظيم سوق متخصص للإنتاج المشترك البسيط، حيث يتم جمع المنتجين السعوديين مع نظرائهم الروس لتمويل فيلم روائي قصير واحد لا تتجاوز تكلفته 100,000 دولار. سيسمح هذا باختبار آليات العمل المشترك دون تعقيدات التمويل الكبير.
- تبادل الخبرات (Expertise Exchange): بدلاً من الندوات العامة، يمكن تنظيم ورش عمل متخصصة للغاية يقدمها خبير روسي واحد في مجال واحد (مثل تصميم الصوت) لـ 5 مخرجين سعوديين فقط على مدار أسبوع عمل كامل. العمق، وليس الاتساع، هو ما سيحدث الفرق.
- توطين النجاحات (Adaptation of Hits): عللا سبيل المثال: اشترت الشركة الروسية «Art Pictures» حقوق قصة سعودية وحولتها إلى فيلم درامي، والعكس، اشترى منتج سعودي حقوق قالب مسلسل كوميدي روسي لإعادة تصويره بنمط عربي. تبادل القوالب هو أسرع طريق لبناء جسر ثقافي.
الخلاصة: شراكة استراتيجية، وليس مساعدة أحادية الجانب
السينما الروسية والسينما السعودية ليستا في حالة تنافس، بل في حالة تكامل فريد. تمتلك روسيا العمق التقني والخبرة الطويلة، وتمتلك السعودية رأس المال والطاقة الشابة، والأهم من ذلك، الإرادة السياسية لتصبح مركزاً ثقافياً. ما يمكن أن تنتجه معاً ليس مجرد أفلام، بل نموذجاً جديداً للتعاون بين سينما راسخة وأخرى ناشئة. نموذج يتجاوز منطق «المساعدة» إلى منطق «الشراكة الاستراتيجية»، حيث تملأ خبرة كل طرف فجوات الطرف الآخر، وتكون النتيجة النهائية ذات قيمة لم يكن أي منهما ليحققها بمفرده.
Адель Муса — АНО «информ-союз»