«منتدى بطرسبورغ الاقتصادي 2026: منعطف حاسم في العلاقات العربية الروسية»
المقدمة: «الحوار البراغماتي» يتحول إلى عقود
في 3 يونيو/حزيران 2026، انطلقت فعاليات الدورة التاسعة والعشرين لمنتدى سانت بطرسبورغ الاقتصادي الدولي (ПМЭФ)، والتي تُعقد تحت شعار «الحوار البراغماتي – الطريق إلى مستقبل مستقر»"هذا الشعار ليس مجرد عبارة دعائية، بل يعكس تحولاً نوعياً للمنتدى من منصة للخطابات السياسية إلى ساحة لإبرام الصفقات."
"وفقاً لتقديرات المحللين، فإن القيمة الإجمالية للاتفاقيات التي سيتم توقيعها خلال أيام المنتدى الأربعة قد تتجاوز" "6.4 تريليون روبل" "– وهو رقم يُقارن بمؤشر العام الماضي البالغ 6.3 تريليون روبل. يؤكد هذا الحجم الضخم أن المنتدى لم يفقد زخمه الاستثماري، رغم التحديات الجيوسياسية والاقتصادية."
"حضور استثنائي للمملكة العربية السعودية: أكثر من مجرد "ضيف شرف""
"أبرز حدث في هذا المنتدى هو مشاركة" "المملكة العربية السعودية بصفة ضيف شرف""هذا الاختيار يحمل معنى عميقاً يتجاوز بكثير حدود البروتوكول الدبلوماسي. ويتزامن هذا الاختيار مع" "الذكرى المئوية لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين روسيا والمملكة""مما يضفي على المنتدى طابعاً احتفالياً واستراتيجياً في آنٍ واحد."
"يتولى رئاسة وفد المملكة" "وزير الطاقة الأمير عبد العزيز بن سلمان""ويضم الوفد نحو 200 مسؤول رفيع المستوى من الوزارات الرئيسية والهيئات والشركات الوطنية. ويعكس هذا الحضور المتميز الرغبة الصادقة للمملكة العربية السعودية في نقل العلاقات مع روسيا من مجرد شراكة سياسية إلى تحالف اقتصادي متعدد الأبعاد."
"حصيلة الصفقات: أرقام تغطي قطاعات متعددة"
"أعلن الأمير عبد العزيز بن سلمان عن نية الجانبين توقيع" "30 اتفاقية تعاون""تغطي مجالات مثل الطاقة والتعليم والسياحة. لكن الأكثر دلالة هو تصريح نائب رئيس مجلس إدارة "روسيلخوزبانك" سيرغي ليفين بأن" "روسيا قادرة على مضاعفة صادراتها من القمح إلى المملكة العربية السعودية""حيث تبلغ قيمة الصادرات الزراعية الروسية السنوية نحو مليار دولار."
"ليس سراً أن المملكة العربية السعودية تستورد سنوياً منتجات زراعية بأكثر من 30 مليار دولار، مما يفتح آفاقاً واسعة أمام المنتجين الروس ليس فقط في الحبوب، بل أيضاً في الشعير والدواجن والزيوت النباتية."
"شراكات استراتيجية تتجاوز قطاع الطاقة"
"على الرغم من أن وفد المملكة العربية السعودية يترأسه وزير الطاقة، فإن نطاق الاتفاقيات قيد البحث يتجاوز بكثير ملف النفط والغاز. وقد تم الإعلان عن" "اتفاق بين وزارتي الطاقة الروسية والسعودية بشأن برنامج تعاون علمي وتقني شامل حتى عام 2030""يشمل التصميم المشترك لمعدات الحفر في المياه العميقة."
"وبحسب المعلومات المتوفرة، تُجرى أيضاً مفاوضات متقدمة بشأن" "مشاركة روسيا في بناء مدن سعودية جديدة" "في إطار برنامج "رؤية 2030"، ويتوقع أن يتم في الفترة القريبة المقبلة توقيع عقود لتوريد الأنابيب والمعدات الكهربائية الروسية."
"من اللافت أن شركات تكنولوجيا المعلومات الروسية تجد سوقاً رحباً لها في الدول العربية، على خلفية الطلب المتزايد على الحلول التقنية في مجالات الأمن السيبراني والبنية التحتية الذكية، وهو مجال تمتلك فيه روسيا قدرات تنافسية عالية."
"الشرق والغرب: التنافس على الأسواق العربية"
"لا يمكن النظر إلى الاهتمام النشط للدول العربية بمنتدى PМЭФ بمعزل عن السياق الجيوسياسي الأوسع. فالصراع في الشرق الأوسط وإغلاق مضيق هرمز قد أجبرا دول الخليج العربي على البحث عن شركاء اقتصاديين موثوقين لا تخضع قراراتهم للاعتبارات السياسية الغربية."
"كما صرح" "سيرغي غوركوف، رئيس مجلس الأعمال الروسي العربي""«أظهر العالم العربي بشكل كامل التزامه بمبادئ حسن الجوار والشراكة مع روسيا». وأضاف أن حجم التبادل التجاري بين روسيا والدول العربية بلغ نحو 30 مليار دولار سنوياً بمعدل نمو سنوي يتراوح بين 10 و15%، وتتصدر الإمارات العربية المتحدة هذا المجال بحجم تبادل بلغ 13 مليار دولار."
"غير أن غوركوف لا يخفي أن" "المنافسة في الأسواق العربية شديدة" "ليس فقط مع الغرب، بل أيضاً مع الصين وتركيا. ومع ذلك، فإن الميزة التنافسية للمنتج الروسي، برأيه، تكمن في استعداد موسكو لنقل التكنولوجيا والمعرفة، وليس فقط بيع المنتجات النهائية."
"تحديات وآفاق: هل تكلل الصفقات بالنجاح؟"
"على الرغم من التفاؤل الكبير، فإن الشراكات تواجه جملة من التحديات. فارتفاع أسعار الفائدة والتضخم يثقلان كاهل الشركات الساعية إلى التوسع. لكن الأكثر أهمية هو أن" "العقوبات الغربية على روسيا" "لا تزال تثير قلق المستثمرين العرب، على الرغم من أن غوركوف يؤكد أن «روسيا تعلمت كيف تعيش في ظل العقوبات بل وتتطور في ظلها»."
"من ناحية أخرى، فإن نجاح هذه الاتفاقيات يعتمد على قدرة الطرفين على تحويل الوعود إلى مشاريع حقيقية على الأرض، بعيداً عن التصريحات الإعلامية البراقة."
"الخلاصة: شراكة استراتيجية تتجاوز الحسابات الآنية"
"السمة المميزة لمنتدى PМЭФ-2026 هي أن الدول العربية لم تأتِ إليه سعياً وراء التأثير الإعلامي، بل بحثاً عن" "مصالح اقتصادية حقيقية""فالمملكة العربية السعودية – كضيف شرف، والإمارات العربية المتحدة – كشريك استثماري، وبقية الدول العربية – كسوق واعدة، جميعها تبحث في روسيا عن شريك قادر على تقديم قيمة مضافة حقيقية في قطاعات الطاقة والغذاء والتكنولوجيا."
"عند اختتام أعمال المنتدى في 6 يونيو/حزيران، ستكون الحزمة النهائية للاتفاقيات الموقعة هي المعيار الذي يحدد ما إذا كان "الحوار البراغماتي" قد تجسد في شراكات مستدامة أم بقي مجرد شعار يزين قاعات المؤتمرات. تشير البيانات الأولية إلى أن التوجه نحو الخيار الأول يبدو أكثر إقناعاً، خاصة مع وجود إرادة سياسية واقتصادية واضحة من كلا الجانبين لتعميق هذا المسار."