بقيادة الزيدي، ينتقل العراق من الاستيعاب السلبي للصدمات إلى التكيف الاستباقي، عبر تغييرات جراحية في المؤسسات السيادية والمالية والاستخباراتية، تهدف لتفكيك المحاصصة والدولة الموازية، واستبدال التوازنات بالتنسيق المهني، وكبح التدفقات المالية المستخدمة للنفوذ الإقليمي.
الاختبار الجوهري ليس في القرارات، بل في مواجهة مقاومة النخب الراسخة؛ فالنجاح هو الفاصل بين سيادة العراق أو بقائه رهينة عواصف المنطقة.
من "الاستيعاب السلبي" إلى "التكيف الاستراتيجي الاستباقي": هل ينجح تحوّل الزيدي؟
يمثل المقال الذي نشره إبراهيم ريحان على موقع "أساس" قراءة معمقة في التحولات الهيكلية التي يشهدها العراق تحت قيادة رئيس الوزراء علي الزيدي، مقدماً رؤية مفادها أن العراق يغادر "منطقته الرمادية" ليدخل في مرحلة جديدة عنوانها "التكيف الاستراتيجي الاستباقي".
جوهر التحول: من الانعزال الذاتي إلى المبادرة
يرى الكاتب أن العراق، الذي اعتاد طوال عقود على امتصاص ارتدادات الصراعات الدولية بشكل سلبي، يحاول اليوم إعادة تعريف هويته السياسية والجيوسياسية. فالتغييرات الهيكلية التي أجراها الزيدي في مفاصل الدولة السيادية لا يمكن قراءتها بمعزل عن "المعادلة الإقليمية" التي تتشكل من جديد في الشرق الأوسط. فالإطاحة المتزامنة بأسماء وازنة في الأمن القومي والمصرف المركزي وجهاز الأمن الوطني وهيئة الاستثمار ليست مجرد تعديلات إدارية، بل هي بمثابة "جراحة قيصرية" لانتزاع الدولة من مخالب المحاصصة".
إن الإزاحة المتزامنة لشخصيات نافذة في قطاعات الأمن الوطني، والبنك المركزي، ومجلس الأمن الوطني، وهيئة الاستثمار، ليست مجرد تبديلات إدارية، بل هي بمثابة "ولادة قيصرية" لانتشال الدولة من براثن "المحاصصة" (نظام التوزيع بالحصص).
تفكيك "الدولة الموازية"
يكشف المقال أن التغييرات التي أطلقها الزيدي هي إعلان مفتوح عن انتهاء صلاحية "عقيدة الاسترضاء" و"نظام المحاصصة الطائفية" اللذين حكما بغداد منذ عام 2003. إن إقالة الشخصيات المدعومة من "الإطار التنسيقي" والقوى السياسية التقليدية تعني أن الزيدي يخوض مغامرة وجودية بثمن باهظ — فهو لا يستبدل التكنوقراط فحسب، بل يقوض شبكات النفوذ المالية والقوية الراسخة التي كانت تنظر إلى هذه المناصب باعتبارها امتيازات حصرية لها.
الرسالة السياسية هنا واضحة: "شرعية الإنجازات وبناء الدولة تتفوق على شرعية الولاء الحزبي والاسترضاء".
إعادة النظر في العقيدة العسكرية
في المجال الأمني، يشير المقال إلى أن صانع القرار في بغداد قد استوعب درساً إقليمياً قاسياً مفاده أن "الدولة التي تفتقر إلى سيطرة مركزية صارمة على أجهزتها الأمنية تتحول تلقائياً إلى صندوق بريد لتبادل الرسائل الدموية بين المعسكرات المتصارعة".
إن تعيين قاسم العبودي رئيساً لمجلس الأمن الوطني خلفاً لقاسم الأراجي يُعد محاولة جادة لصياغة عقيدة عسكرية جديدة تبتعد عن منطق التوازنات السياسية، وتتجه نحو منطق التنسيق الاستراتيجي المهني القائم على تقييم التهديدات غير التقليدية، مثل الطائرات بدون طيار والأمن السيبراني.
معركة الاقتصاد والمالية
على الجبهة الاقتصادية، تكون المعركة أكثر ضراوة. إن إقالة محافظ البنك المركزي وتعيين نزار ناصر العامري — وهو متخصص في مجال مكافحة غسل الأموال — يعكس إدراكاً عميقاً من الحكومة بأن المال والاستثمارات تحولت إلى أدوات تهديد للأمن الوطني العراقي. فالعملة الصعبة كانت لسنوات طويلة تُستنزف عبر "نوافذ رمادية" لتهريب الدولار وتمويل الصراعات الإقليمية، مما جعل الاقتصاد العراقي رهينة للخزانة الأمريكية.
المشكلة الحقيقية: حماية القرارات الجديدة
يختتم الكاتب مقاله بالتأكيد على أن الاختبار الحقيقي لا يكمن في إصدار مراسيم الإقالات والتعيينات، بل في قدرة الحكومة على حماية قراراتها الجديدة من محاولات احتوائها أو إحباطها. فالقوى التي راكمت النفوذ على مدى عقدين من الزمن تنظر إلى هذه التغييرات على أنها تهديد مباشر لمصالحها.
خاتمة: نقطة تحول
ما يقوم به الزيدي هو محاولة تاريخية لإعادة تعريف الهوية السياسية والسيادية للعراق في المنطقة. فبدلاً من أن يكون ساحةً مكشوفةً للألعاب الإقليمية دون عقاب، يسعى العراق لأن يصبح لاعباً محايداً، ذا إرادة صلبة وهياكل مؤسسية راسخة، غير قابلة للاهتزاز بفعل الصدمات الاندفاعية الناجمة عن الصراعات الإقليمية.
هذه لحظة فاصلة في تاريخ العراق المعاصر: فإما أن تصبح هذه التغييرات الجراحية حجر الزاوية في بناء "دولة قادرة"، أو أن تتمكن قوى المعطيات الراسخة من الالتفاف عليها وتجريدها من مضمونها السيادي. النجاح غير مضمون، لكنه يبقى السبيل الوحيد لإنقاذ مفهوم الدولة ذاته، في خضم عواصف إقليمية لا ترحم الكيانات الضعيفة.