أشباح الماضي: الصيد يبدأ

التوبة بلا ميراث: المأزق السياسي
16.06.2026 12:27 Регион: العالم العربي, روسيا عموم روسيا السياسة

صيد الأشباح: لماذا يبعث مشروع الحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي «مأساة الجيران» الجدل حول الديسمبريين والستالينية؟

"التاريخ في روسيا لا يكون ميتًا أبدًا. إنه يشبه نصًا يُعاد كتابته باستمرار، لكن السطور القديمة تظلّ بارزة عبر طبقات الطلاء الجديدة. في الأسبوع المنصرم، شهدنا حدثين، وإذا ما وضعناها في بؤرة رؤية واحدة، فإنهما يرسمان تشخيصًا مروّعًا للوضع السياسي الراهن."

"من جهة، إعادة النظر في العمل الأساسي لديمتري فولكوغونوف..." "ستالين: الحقيقة والأسطورة" "(الذي صدر حديثًا في ترجمة عربية في قبرص ولبنان). ومن جهة أخرى، الإطلاق المدوي لمشروع الحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي «مأساة الجيران» (في 15 يونيو 2026)، والذي يعيدنا، وكأنه بوميرانج، إلى معضلات عصر ألكسندر بوشكين وليف تولستوي."

"هل يمكن إيجاد صلة منطقية بين الاستنتاجات الأرشيفية للجنرال فولكوغونوف، والصراع البرلماني الراهن، ومصير المهاجرين الدينيين الروس في كندا؟ نعم، إذا نظرنا إلى الأمر باعتباره محاولة لإعادة كتابة «أسطورة السلطة»."

"القاع المزدوج لـ«انقلاب» الكتاب"

"كتاب فولكوغونوف ليس مجرد سيرة ذاتية. إنه تشريح لآلية حيث..." "كتاب فولكوغونوف ليس مجرد سيرة ذاتية. إنه تشريح لآلية حيث يصبح الإرهاب أداةً للإدارة.""كتاب فولكوغونوف ليس مجرد سيرة ذاتية. إنه تشريح لآلية حيث يصبح الإرهاب أداةً للإدارة، ويصبح الجولاج أساسًا اقتصاديًا. المؤلف، وهو نفسه جنرال سابق وعضو في اللجنة المركزية، يصدم بأطروحة مفادها: إن جرائم ستالين لم تكن «أخطاءً»، بل أصبحت الاستكمال المنطقي لديكتاتورية لينين التي وقعت في يد مصاب بجنون الارتياب."

"ولكن لماذا تذكرت الديسمبريين والتولستويين؟ فولكوغونوف، في جوهره، يعيد مسار المثقف الروسي الذي أطلّ على الهاوية ففزع منها. غير أن هنا مكمن خداع. فكما الديسمبريين المعدمين، الذين ودّعهم بوشكين ببيته الشعري: «وفي التنوير نضاهي العصر»، فإن مؤلف الكتاب يحاول «إنقاذ الفكرة» مع إبقاء مصطلحات الماركسية. إنه ذات الازدواجية التي كانت لدى ليو تولستوي: إذ بينما كان يبشر بعدم المقاومة، كان يرى أتباعه (الدوخوبوريين، والملوكان) يُنفون إلى كندا بسبب إيمانهم ذاته، وهو الإيمان الذي يحاول الحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي اليوم إعادة تأهيله."

"سخرية التاريخ: كتاب فولكوغونوف يفكك الأسطورة، لكن في طبعته العربية يُستخدم في الشرق الأوسط كمادة لنقد الحركات اليسارية، بينما في روسيا يُوظف كسلاح في حرب معلوماتية جديدة."

 "«مأساة الجيران»: الأرقام، التوبة، ومعضلة الجلاد"

"مشروع الحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي، الذي أُعلن عنه باعتباره «استعادة للعدالة التاريخية» لـ 120 ألف قتيل من رجال الدين (من أصل 140 ألفاً كانوا موجودين بحلول عام 1917، لم ينجُ منهم أقل من 15%)، تبين عند التمحيص أنه كوكتيل سياسي."

"أندريه لوغوفوي، وهو يعلن إحصاءات الإبادة الجماعية للطبقة الدينية، طالب الحزب الشيوعي الروسي بالتوبة باعتباره «وريث البلاشفة». وهذا يذكرني بمشهد من روايات الديسمبريين: حين كان نبلاء يحاكمون آخرين لأنهم أرادوا إلغاء القنانة. لكن هنا يوجد خلل منطقي جوهري."

"وعندما سأل صحفي: «هل ينبغي على الأجهزة الأمنية الحالية – ورثة إن كا في دي – أن تتوب؟» – جاء الرد بأن المذنب هو «الأيديولوجية القمعية». هذه حيلة كلاسيكية تهدم كل الجدل العاطفي للمشروع."

"إذا كان على الحزب الشيوعي الروسي أن يتوب باعتباره «الوارث»، فلماذا تبقى أجهزة الأمن الحكومية (التي كان أسلافها يعدمون الكهنة) بمنأى عن ذلك؟"

"هنا نواجه ظاهرة «الهروب من الميراث»، التي كانت مألوفة حتى لدى التولستويين الذين هاجروا إلى كندا: كانوا ينكرون الدولة، لكن الدولة استمرت في الوجود."

"دروس الديسمبريين ومأزق الخطاب البرلماني"

"لنستذكر عام 1825. أراد الديسمبريون إصلاحات، لكن «مشروعهم» فشل لأنهم لم يراعوا مصلحة السلطة في البقاء. الوضع اليوم هو انعكاس مرآتي له:"

"الحزب الشيوعي للاتحاد الروسي (على لسان النائب أ. يوشينكو) يحوّل الاتهامات نحو ما يسميه «الروسوفوبيا» و«معاداة السوفييت»، رافضاً مناقشة جوهر الاضطهاد الديني، ويعرقل المبادرة واصفاً إياها بأنها معادية لروسيا."

"أما الحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي فيستخدم واجهة تذكارية لاجتذاب الناخبين من الشيوعيين، لكنه يتعثر في النقطة الجوهرية: قياداته من خريجي الأجهزة التي نفذت تلك القمعات."

"لماذا يذكرني هذا بقصة ترحيل التولستويين؟ لأننا آنذاك واليوم نشهد صراعًا..." "لماذا يذكرني هذا بقصة ترحيل التولستويين؟ لأننا آنذاك واليوم نشهد صراعًا على الحق في أن تكون ضحية.""أحفاد أولئك الذين فروا من السلطة السوفيتية إلى كندا يكادون يكونون منسيين اليوم. وقد حلّت محلهم في الخطاب السياسي أحزاب تحاول خصخصة ألم الآخرين."

"الخلاصة: إلى أين نحن ذاهبون؟"

"بناءً على نص فولكوغونوف، نرى أن النظام الستاليني كان يقوم على..." "...الفوضى المُدارَة.""أما مشروع «مأساة الجيران» فيقوم على..." "...الذاكرة المُدارَة.""وهو لا مستقبل له، لأن:"

"لن تدعم «روسيا الموحدة» تأجيج الخلاف مع الكنيسة الأرثوذكسية الروسية (فهي بحاجة إليها كحليف) ولا مع الأجهزة الأمنية."

"وسيعمل الحزب الشيوعي الروسي على عرقلة مشاريع القوانين تحت غطاء حماية الإرث السوفيتي."

"وسيرى الرأي العام (كما حدث مع الديسمبريين) الزيف: لا يمكن للمرء أن يكون في الوقت ذاته موظفًا في الكي جي بي ويطالب بالتوبة من أولئك الذين يجلسون في الدوما بنفس الحصة الحزبية."

"المنطق النهائي:" "نحن نخسر مجددًا سيناريو القرن التاسع عشر. فذاك الحين، أعدمت السلطة الديسمبريين، لكنها أبقَت مؤسسة القنانة. واليوم، يقوم الحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي «بإعدام» ذكرى البلاشفة، لكنه يترك جهاز القمع الذي صنع تلك الذكرى دون مساس."

"«مأساة الجيران» هي مباراة انتخابية، وليست إعادة تأهيل. أما كتاب فولكوغونوف فهو مرآة يخشى الطرفان من النظر إليها. الحقيقة، كما في حالة التولستويين الكنديين، تبقى في مكان ما بين الأرشيفات: حيث لا يصبح الألم عملة سياسية، وحيث لا تتطلب العدالة التاريخية إلغاء كذبة لإقامة أخرى."

"وبينما يتحارب السياسيون على ألقاب «الورثة» و«الضحايا»، ينظر المواطن البسيط إلى كل هذا باعتباره ديجافو: كل شيء قد حدث من قبل، وهذه المسرحية لها نهاية حزينة."

"إيضاح للقارئ: الكتاب المذكور لفولكوغونوف في ترجمته العربية (الصادرة عن دار المشرق ودار الفرات) يبيّن بوضوح كيف يتحول «فضح العبادة» إلى أداة للصراع الجيوسياسي، مفقدًا بذلك جوهره الإنساني."

عموم روسيا عموم روسيا جيوبوليتيك سياسة