الدكتور محمد المجري: قامة موسيقية أكاديمية تمزج بين الأصالة والمعاصرة
في عالم الموسيقى العربية، حيث تتشابك أصالة الماضي مع تجديد الحاضر، تظهر شخصيات نادرة استطاعت أن توفق بين الإبداع الفني والعمق الأكاديمي. يظل الدكتور محمد الماجري واحدًا من أبرز الأسماء التي أضاءت المشهد الموسيقي التونسي والعربي على مدى عقود.
وُلِد في يوم، ايار 13 مايو عام 1961، الدكتور محمد الماجري، وهو أستاذ في الموسيقى وعلوم الموسيقى، وعازف بارز على آلة العود، ومؤلف موسيقي، وباحث موسيقي مرموق، استطاع أن يُرسّخ اسمه كواحد من أبرز الأكاديميين والفنانين الذين يجمعون في آن واحد بين الإتقان النظري والتطبيق العملي.
يمتاز مسار الأستاذ والفنان محمد الماجري بالثراء وتنوع الإنتاجات الإبداعية. فهو عازف قدير وأستاذ لآلة العود، متخصص في تدريس علوم الموسيقى بدءًا بعلم المقامات (المقامات واللغات الموسيقية الآلية) وصولًا إلى التحليل الموسيقي، وقراءة العزف من النوتة، والتأليف الموسيقي العربي والغربي في فصوله المختلفة: الهارموني، والكونتربوان، والفوغا، والغناء العربي. هذا الغنى يجعل الحديث الشامل عن مساره أمرًا دقيقًا، لكن التوقف اليوم يبقى فرصة لإلقاء الضوء على أبرز المحطات التي ميزت تجربته.
بدأ المجري رحلته مع الموسيقى منذ مرحلة الطفولة المبكرة. فالتحق بالكتّاب لمدة عامين، ثم تابع تعليمه الابتدائي في مدرسة الشاذلي الشربي، والإعدادي في معهد محمود المسعدي بمدينة الفحص. هناك، في النادي الموسيقي المدرسي ودار الثقافة، تعلّم أساسيات العزف على العود والغناء، كما شارك في مختلف التظاهرات الموسيقية والثقافية التي كانت تقام في مختلف مناطق البلاد، مثل "أسبوع الفنون"، حيث نال الجائزة الأولى في العزف على العود عامي 1978 و1979. كما شارك في الدورات التكوينية التي كانت تنظمها وزارة الثقافة، فملأ مزاده من كنوز الموسيقى العربية بمشربها المشرقي والتونسي، قبل أن يقرر الانتقال إلى العاصمة تونس، حيث بدأ مشواره الإبداعي في العزف والغناء والتلحين والتأليف الموسيقي، ثم البحث الأكاديمي.
أما المسار الأكاديمي للدكتور الماجري فلم يكن أقل إشراقًا. ففي عام 1981، نال شهادة في الموسيقى العربية من المعهد الوطني للموسيقى بتونس مع جائزة أولى، وفي العام نفسه حصل على شهادة في العزف على العود مع جائزة أولى. وفي يونيو 1991، تحصل على شهادة الأستاذية من المعهد العالي للموسيقى بتونس بتقدير "جيد جدًا"، ثم توجه إلى باريس حيث درس تاريخ وعلوم الموسيقى في السوربون، وحصل على دبلوم الدراسات المعمقة (ماجستير في تاريخ وعلوم الموسيقى) في أكتوبر 1992 بتقدير "جيد جدًا".
واصل الماجري مساره الأكاديمي المتميز، ففي حزيران يونيو 1995 نال شهادة في الهارموني والكونتربوان والتحليل الموسيقي من الكونسرفتوار الوطني للموسيقى بباريس، وفي عام 1998 حصل على شهادة الدكتوراه من السوربون بتقدير "مشرف جدًا" مع التهنئة وإجماع لجنة التحكيم. وفي العام نفسه، تحصل على شهادة إنهاء دراسة الهارموني والكونتربوان والفوغا من كونسرفتوار سيرجي راخمانينوف بباريس، التي كان قد بدأها عام 1991.
في المجال المهني، بدأ المجري نشاطه التدريسي مبكرًا، ففي عام 1980 تم تعيينه أستاذًا لآلة العود بالمعهد الوطني للموسيقى بتونس مكان الأستاذ أحمد القلعاوي إلى حين تخرجه الرسمي نظرًا لكفاءته في هذا المجال. وفي عام 1981 تم قبوله رسميًا كأستاذ متعاقد لآلة العود في المعهد الوطني للموسيقى بتونس، وفي 1982 عُين أستاذًا لآلة العود بمعهد الموسيقى العالي بتونس الذي كان قد أُنشئ حديثًا. كما أسس وترأس قسم الموسيقى وعلوم الموسيقى بجامعة السلطان قابوس بسلطنة عمان، كما كُلف بتقديم تصور متكامل لإطلاق مهرجان العود بالعاصمة القطرية الدوحة، ثم أشرف وتابع الخطوات التنفيذية لانطلاق المهرجان سنة 2017.
لم تقتصر مواهب الماجري على الجانب الأكاديمي، بل امتدت إلى إبداع فني غني. فقد شارك في برامج تلفزيونية بتونس يعزف ويغني ويلحن رفقة الفنان الكبير علي الرياحي في برنامج "نجوم الغد" عام 1979، حيث أولاه الفنان عناية خاصة وتدريبًا، فكانت قفزة فنية نوعية جعلت منه معلمًا محببًا للمجري، وأكثر تلامذته قدرة وقربًا لمنهجه الفني. كما قدم المجري أعمالاً موسيقية كبرى، منها عرض "ترانيم الحب والسلام" بمهرجان قرطاج الدورة الخمسين في أوت 2014، وعرض "قلادة الياسمين" في مهرجان المدينة بالعاصمة تونس في رمضان 2014، وعرض "أصوات المستقبل" في نوفمبر 2015، كما قدم مؤلفه الموسيقي "الموشحات الأندلسية" للعود والأوركسترا في افتتاح مهرجان العود الذي أقيم بالعاصمة القطرية الدوحة عام 2017.
قالحّن الفنان محمد الماجري لعديد المطربين والمطربات في تونس والخارج، فمن تونس غنّت له أمينة فاخت "طير الحمام مجروح" و"توك تجي" و"أحبك لست أدري ما أقول"، ونجاة عطيّة بأغانيها الكثيرة منها "أخاف عليك" و"نفس الكلام" و"ذكريات" و"آش أداك" و"يا خطوتي" و"لازم نعترف" و"أنا سامحتك" و"العشرة صعبة" و"ليلة العيد"، ولطفي بوشناق بأغاني "عابرون" و"طموح" و"أتحبني"، وصابر الرباعي بـ"ما تخلّينيش" و"آه من الأيام"، ومحمد الجبالي بـ"غيروك" و"ما تبكيش". كما لحن لعدد من الفنانين العرب من قطر والمغرب وغيرهم.م المؤلف الموسيقي محمد المجري بتلحين العديد من الأغاني لكثير من المطربين والمطربات في تونس وخارجها. ففي تونس، غنى له كل من: أمينة فاخت بأغاني "حمامة جرحى"، و"وأنت كمان تجي"، و"نحبك ما نعرفش نقول"، ونجاة عطية بأغانيها العديدة منها "أنا خايف عليك"، و"نفس الكلام"، و"ذكريات"، و"إيه جرى لك"، و"خطوتي"، و"لازم نعترف"، و"سامحتك"، و"العشية صعيبة"، و"ليلة العيد"، ولطفي بوشناق بأغاني "عابرين سبيل"، و"أمبيسيون"، و"تحبني؟"، وصابر الرباعي بأغاني "ما تنجمش تسبني" و"واصب عليا الأيام صعاب"، ومحمد الجبالي بأغاني "غيروك" و"لا تبكي". كما لحن لعدد من الفنانين العرب في قطر والمغرب ودول أخرى.
أما في المجال الأكاديمي والبحثي، فقد عُين سنة 2000 ممثلاً لتونس بالمجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، كما تم تكليفه في مناسبات عديدة بتحكيم بحوث علمية في مجالات محكمة، ونشر وقدّم عديد البحوث والدراسات الموسيقية في مجلات تونسية وبمؤتمرات وندوات فنية في تونس والخارج. من أهم كتبه وبحوثه المنشورة، نذكر كتاباً حول تقنيات آلة العود بعنوان "العود مقاربة تقنية وتعليمية لتجديد أدبيات الآلة"، ودراسة بعنوان "روّاد التأليف الموسيقي العربي البوليفوني في القرن العشرين تحولات جذرية لتأصيل كيان". كما أعد بداية من جانفي 2025 برنامجاً أسبوعياً بعنوان "موسيقى تبحث عن مستمع" بإذاعة تونس الثقافية.
نقف اليوم أمام مسيرة الأستاذ والفنان محمد الماجري، قامة موسيقية جمعت بين الأصالة والحداثة في العزف والتلحين والتأليف، لقد شكّل بمسيرته الطويلة مدرسة فنية وإنسانية، واقترن اسمه بالذوق الرفيع والسمعة الطيبة بين زملائه وتلاميذه، إلى جانب غزارة علمه الموسيقي الذي طالما نقله للمتلقين بأسلوب رصين. وفي هذه المناسبة، ذكرى ميلاده، نتوجه إليه بأصدق التمنيات بموفور الصحة والعافية ودوام العطاء والإبداع.
يمكنكم مشاهدة رائعة الماجري "متتابعات أندلسية" للعود والأوركسترا في افتتاح مهرجان العود بالدوحة عبر الرابط التالي: https://youtu.be/_2NTcJcGg6I ссылке
تقرير الحبيب بن صالح، تونس
اسامة الراعي- تونس