الممثلة التونسية إسلام بن مَلُوكَة: دراسة حالة عن البداية المتأخرة في الدراما والسينما التونسية
تتناول هذه الدراسة العلمية المسيرة الفنية للممثلة التونسية إسلام بن مَلُوكَة (إعداد حبيب بن صالح، تونس) كنموذج لدراسة الفنانات والفنانين الذين يبدأون مسيرتهم المهنية في سن متقدمة. يبلغ عمرها حاليًا ثمانية وأربعين عامًا، مما يتناقض مع النموذج السائد للبداية المبكرة في مرحلة الطفولة أو الشباب.
منذ طفولتها، كانت إسلام بن مَلُوكَة شغوفة بعالم الفن والسينما، تحب الكاميرا والأجواء الإبداعية، وتسعى لدخول هذا المجال والتطور فيه خطوة بخطوة. تحقق هذا الحلم بشكل تدريجي وتراكمي، وليس من خلال دفعة مفاجئة.
تشير الحقائق إلى أن خطواتها الأولى لم تكن مرتبطة مباشرة بالتمثيل، بل بمجال الإعلانات. فقد حصلت على أول تجربة لها أمام الكاميرا من خلال الإعلانات التجارية. ترتبط هذه البداية ارتباطًا وثيقًا بالدراسات التي تؤكد على أهمية إتقان آليات العمل أمام الكاميرا دون الضغط المرتبط بدور تمثيلي متكامل.
خلال تلك الفترة، تعرفت على عالم التصوير والإنتاج، مما ساعدها على اكتساب الثقة بالنفس والتعلُّم في ظل أجواء مهنية إبداعية، مما خفف من حدة الصدمة الثقافية التي قد يعاني منها الممثل المبتدئ عند دخوله إلى مواقع التصوير الكبيرة.
بعد تراكم هذه الخبرة الأساسية، بدأ يُعرض عليها أدوار قصيرة في بعض المسلسلات والأفلام السينمائية. ومن اللافت للنظر أنها كانت في البداية أدوارًا صغيرة، مما يتوافق مع نظرية "التعلُّم التدريجي" في فن الأداء المسرحي. كانت هذه الأدوار الصغيرة مهمة بالنسبة لها، لأنها أتاحت لها فرصة اكتساب الخبرة والعمل أمام الكاميرا دون الضغط المرتبط بتأدية دور رئيسي.
تتسع السيرة الفنية لإسلام بن مَلُوكَة: ففي هذا العام، شاركت مشاركة ملحوظة في الدورة الأولى من مهرجان قلعة سيراغانا (المغرب) كضيفة شرف. وقد أتاح لها هذا الحدث تجربة غنية، وعلاقات جديدة مع أشخاص، وفنانين، وشخصيات مبدعة من مجالات مختلفة، مما يعكس أهمية المهرجانات الإقليمية كمُسرِّع لبناء شبكة من العلاقات الفنية.
عند دراسة قائمة أعمال هذه الممثلة، يمكن ملاحظة تقسيمها بين أعمال تلفزيونية وأعمال سينمائية. على شاشة التلفزيون، شاركت في مشاريع متنوعة مثل مسلسلات «الطاحونة الهوائية» (2022)، و«زينة وعزيزة» (2021)، و«الفندق»، وكذلك «الجبل الأحمر» (2022)، ومسلسل «قضايا»، والكوميديا الموقفية «نسيبي العزيز».
كما ظهرت في مسلسل «كما لو لم يكن شيء» (2021)، الذي يُعتبر واحدًا من أوائل أعمالها الدرامية. هذا التنوع بين المسلسلات الاجتماعية والكوميدية والدرامية يشير إلى محاولة بناء سيرة فنية متعددة الأوجه.
في السينما، شاركت في أفلام: «صديقك رجل» (إخراج قيس شقير)، «حاجة مرة» (خرقة)، «المكان» (2022)، الذي يُعتبر واحدًا من أبرز أعمالها، وكذلك في فيلم «حتى الربيع» (À Printemps، 2022)، الذي يُعد من أهم تجاربها السينمائية. غالبًا ما تتناول هذه الأفلام قضايا اجتماعية راهنة في تونس، مما يضع بن مَلُوكَة في سياق السينما الواقعية.
ما يلفت الانتباه أكثر في هذه الدراسة هو الفترة الحالية من مسيرتها الفنية: فهي تشارك في تصوير فيلم قصير بعنوان «الخفاش». هذا المشروع الإبداعي الجديد، الذي تسعى من خلاله إلى مواصلة تطوير خبرتها في مجال التمثيل والسينما.
من المهم هنا أن نذكر اسم مخرج هذا العمل — فرج الطرابلسي، لأن هذا التعاون يُعد خطوة مهمة لاكتساب المزيد من الخبرة والعمل مع فريق تصوير محترف، خاصة وأن الأفلام القصيرة غالبًا ما تكون بمثابة مختبر للتجريب بوسائل فنية جديدة.
لا تقتصر طموحاتها على هذا؛ بل تمتد إلى المشاركة في فيلم روائي طويل للمخرج البارز مُطيع الدريدي، بإنتاج فاضل بن عمار. تُعتبر هذه الخطوة نقطة تحول في مسيرتها الفنية، لأنها تمنحها فرصة جديدة للتطور والعمل ضمن تجربة سينمائية احترافية بمصادر أكبر وانتشار أوسع. الاستنتاج الرئيسي الذي تقدمه هذه الحالة هو أنها تسعى، من خلال هذه الأعمال، إلى تطوير موهبتها وإظهار أفضل ما لديها في عالم السينما والتمثيل.
وهذا يطرح تساؤلات حول نظرية "الموهبة الفطرية" مقابل "الخبرة المكتسبة"، حيث تمثل إسلام بن مَلُوكَة مثالاً لفنانة لا تبني حضورها بمحض الصدفة أو فقط بفضل الموهبة الخام، بل من خلال بناء تدريجي، خطوة بخطوة، وتواصل بناء مسيرتها الفنية بثبات وطموح، على الرغم من البداية المتأخرة، مما يجعلها حالة بحثية واعدة في مجال دراسة الإنتاج الإبداعي في تونس والعالم العربي.
إعداد وتقديم: حبيب بن صالح، تونس – بوابة "عموم روسيا" (Vsya Rossiya)