دراسة معمقة للحالة السورية الانتخابية: تعيين روزينا لاذقاني في مجلس الشعب كمدخل لفهم التحول السياسي
مقدمة
يمثل تعيين الفنانة روزينا لاذقاني نائباً في مجلس الشعب السوري لحظة دالة في مسار التحول السياسي السوري بعد سقوط نظام الأسد. هذا القرار، الذي قد يبدو للوهلة الأولى مجرد خطوة رمزية، يكشف في العمق عن استراتيجية متعددة الأبعاد لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها، ويطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة المرحلة الانتقالية، وآليات تشكيل السلطة، ودور العناصر الرمزية والثقافية في المشهد السياسي الجديد.
إنه يطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة المرحلة الانتقالية، وآليات تشكيل السلطة، ودور العناصر الرمزية والثقافية في المشهد السياسي الجديد.
الهدف من هذا البحث هو تقديم تحليل معمق للسياق الانتخابي السوري، مع التركيز على دلالات تعيين لازغانا، وذلك بهدف تهيئة الأرضية لإعادة نشر مقال الزميل أيمن جزيني حول هذا الموضوع، عبر وضعه في سياقه السياسي والاجتماعي والثقافي الأوسع.
تشكيل أول برلمان في سوريا ما بعد الأسد
الانتخابات التشريعية: بين الإنجاز والتعقيد
شكلت الانتخابات التشريعية التي أجريت عام 2025 (واستكملت في النصف الأول من 2026) محطة أساسية في مسار التحول السياسي السوري، إذ مثلت أول استحقاق برلماني بعد سقوط نظام بشار الأسد. وقد تم إجراء الانتخابات في ظل ظروف استثنائية، تمثلت في: انعدام الاستقرار الأمني في مناطق واسعة من البلاد، واستمرار التحديات الإنسانية والاقتصادية الحادة، وغياب أطر دستورية وقانونية مستقرة تضمن نزاهة العملية الانتخابية،
Продолжающийся выход целых провинций из-под контроля правительства: Выборы состоялись в большинстве провинций, но были отложены в провинциях Хасака, Ракка и Эс-Сувейда по соображениям безопасности и политическим причинам, а затем позже проведены в районах Рас-эль-Айн и Тель-Абьяд.
جدلية الشرعية: رأت الحكومة في إجراء الانتخابات خطوة ضرورية لترسيخ شرعيتها، بينما اعتبر البعض أن استبعاد مناطق بأكملها ينتقص من شرعية العملية برمتها.
الثلث المعين: أداة لإعادة التوازن أم لضبط المجلس؟
يتألف مجلس الشعب السوري من 210 أعضاء، يُنتخب ثلثاها (140 عضواً) مباشرة، ويعيّن الرئيس الثلث المتبقي (70 عضواً). وقد حملت آلية التعيين هذه دلالات مهمة:
تصحيح الخلل في التمثيل: أظهرت نتائج الانتخابات فجوات في تمثيل النساء والمكونات الدينية والإثنية، وهو ما جعل الثلث المعين أداة لإعادة ضبط التوازنات داخل المجلس.
ضمان الانسجام مع توجهات السلطة التنفيذية: يشير الباحث وائل علوان في دراسة أعدها لمركز "جسور" للدراسات إلى أن الثلث المعين ساهم في ضمان وجود كتلة برلمانية منسجمة مع توجهات السلطة التنفيذية ورؤيتها لتشكيل النظام الجديد، خاصة في مرحلة حساسة تتطلب إعادة صياغة البنية السياسية والدستورية.
ثانياً: روزينا لاذقاني: رمزية الاختيار وأبعادها
يأتي تعيين روزينا لاذقاني ليعكس تفاعل عدة عوامل، جعلت منها خياراً استراتيجياً مدروساً، فهي ليست مجرد ممثلة، بل تحمل أبعاداً متقاطعة جعلت منها "وردة حموية" كما وصفها الزميل أيمن جزيني في حديقة المجلس.
البعد الرمزي والجغرافي
الانتماء إلى حماة: تتحدر لاذقاني من مدينة حماة، التي كانت مسرحاً لأحداث عنيفة في عهدي حافظ وبشار الأسد، بدءاً من مجزرة الثمانينيات التي قصفها فيها حافظ الأسد بالطيران، وصولاً إلى قصفها بالبراميل المتفجرة خلال الثورة عام 2011. هذا الانتماء يمنحها رمزية تمثيلية تعبّر عن معاناة المدينة التي كانت من مراكز المقاومة ضد النظام السابق. وهي تنتمي إلى عائلة عانت الأمرّين مع آل الأسد، وشقيقها شهيد سقط على أيدي نظامهم البائد، مما يضفي على اختيارها طابعاً تعويضياً وتاريخياً.
"فداء حماة": مشاركة لاذقاني في حملة "فداء حماة" التي جمعت تبرعات لإعادة إعمار المحافظة (بلغت 144 مليون دولار في ساعاتها الأولى) عززت صورتها كرمز للوفاء لمدينتها المنكوبة. وقد وصفت الحملة بأنها "ثاني أكبر حملة تبرعات شعبية وأهلية في تاريخ البلاد"، مما جعل منها وجهاً معروفاً للعمل الخيري والوطني بعيداً عن التمثيل.
البعد العمري والجيل
تنتمي لاذقاني إلى جيل الثورة السورية (مواليد 1990)، وهو ما يعكس محاولة النظام الجديد استقطاب فئة الشباب، الذين كانوا في طليعة الحراك الشعبي عام 2011. هذا الاختيار يمنح الشرعية للسلطة الجديدة في عيون شريحة واسعة من المجتمع، ويُظهر انفتاحاً على دماء جديدة لم تكن جزءاً من المؤسسة السياسية التقليدية.
البعد الفني والثقافي
القوة الناعمة: بحسب مقال الزميل أيمن جزيني، يُعد تعيين لاذقاني استثماراً في "قوة سوريا الناعمة"، واستفادة من الكفاءات الثقافية والفنية في بناء صورة سوريا الجديدة. فقد اشتهرت بأدوار في أعمال درامية بارزة مثل "الهيبة" (شخصية منى شقيقة جبل) و"شوق"، و"مربى العز"، و"بانتظار الياسمين"، مما يمنحها حضوراً جماهيرياً واسعاً، وهي معروفة بأنها "مقلة في الأعمال" وتعتذر عن المشاركة في أعمال أكثر مما توافق عليها، مما يعكس نزعة انتقائية تخدم صورتها العامة.
الصدمة الإيجابية: أحدث تعيينها "صدمة إيجابية" كما تصفها المقالة، وهو ما يعكس رغبة السلطة الجديدة في كسر التابوهات وإحداث قطيعة مع صور مجالس الشعب السابقة التي وُصفت بأنها "مجالس للدمى"، وفق تعبير لاذقاني نفسها في أولى إطلالاتها الإعلامية كنائب.
البعد السياسي والوطني
مواقف ثابتة: عُرفت لاذقاني بمواقفها الداعمة للثورة والمعارضة للنظام السابق، وآخرها تعليقها بعد سقوط الأسد: "يا ريتو حافظ الأسد عايش ويشوف حماة بعد 54 سنة"، ونشرها تصريحات وطنية قوية، مثل تعليقها على حادثة رفع العلم الإسرائيلي والإساءة للعلم السوري في السويداء عام 2025 بعبارة شديدة اللهجة. هذا يمنحها مصداقية سياسية في نظر الجمهور الثائر، ويجعل منها رمزاً للوفاء للمعارضة، وليس مجرد وجه فني.
ثالثاً: التحليل الاستراتيجي: ماذا يعني تعيين لاذقاني؟
سياسة "التوازنات الدقيقة" في اختيار النواب
لم يكن تعيين لاذقاني حدثاً منعزلاً، بل جاء في سياق قائمة متكاملة تضم 70 نائباً، تنوعت بين شخصيات سياسية بارزة وأكاديميين وشخصيات دينية ونساء ومعتقلين سابقين. هذا التنوع يعكس:
سياسية الاحتواء: محاولة إشراك أكبر عدد ممكن من الفصائل السياسية والاجتماعية.
تكريس مبدأ المصالحة: بإشراك معارضين سابقين ومعتقلين سياسيين.
التمثيل النسائي: رفع عدد النساء في المجلس إلى 21 عضوة، وهي خطوة مهمة على طريق تعزيز دور المرأة في السياسة.
التوزيع السياسي لأعضاء المجلس المعينين
حرصت قائمة النواب المعينين على تمثيل طيف واسع من الخريطة السياسية السورية، مما يعكس استراتيجية دقيقة لجمع الفرقاء وإضفاء شرعية على المجلس. فقد ضمت القائمة:
رؤساء سابقون للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية: مثل أنس العبدة وبدر جاموس، وعضو الائتلاف سابقاً منذر أحمد سراس، والرئيس السابق لتيار الغد السوري أحمد الجربا، مما يمثل احتواءً لأبرز وجوه المعارضة السياسية التقليدية.
قيادات محلية وشخصيات اعتبارية: مثل الشيخ ليث البلعوس، نجل الشيخ الراحل وحيد البلعوس مؤسس حركة "رجال الكرامة"، والدكتور صبح البداح من محافظة السويداء، التي تعذر إجراء الانتخابات فيها، وكابرييل موشي كورية، مسؤول المكتب السياسي في المنظمة "الآثورية" الديمقراطية (مطكستا)، وهو معتقل سياسي سابق في سجون النظام السابق، مما يوسع التمثيل ليشمل المكونات الإثنية والدينية والنشطاء الحقوقيين.
التنوع بين الأعيان والكفاءات: حسب الأمين العام لمجلس الشعب محمد حمزة شموط، انقسم النواب المعينون إلى "23 شخصاً من الأعيان و47 من الكفاءات، بينهم 12 من حملة الماجستير و17 من حملة الدكتوراه"، مما يخلق مزيجاً بين التمثيل العشائري والاجتماعي والخبرة الأكاديمية.
معتقلون سابقون: ضمت القائمة 13 معتقلاً سابقاً في سجون النظام السابق، وهو رقم يعكس رغبة في الاعتراف بجرائم الماضي وتعويض الضحايا سياسياً.
تمثيل نسائي معزز: باختيار 15 امرأة في القائمة المعينة، ليرتفع العدد الإجمالي للنساء إلى 21، مما يمثل قفزة نوعية في التمثيل النسائي مقارنة بالمجالس السابقة.
التوزيع الجغرافي للنواب المعينين (70 نائباً)
جاء التوزيع الجغرافي للقائمة المعينة ليعكس محاولة تحقيق توازن إقليمي، وتعويض المحافظات التي شهدت نقصاً في التمثيل الانتخابي أو تأجيلاً، أو التي تعرضت لأضرار كبيرة خلال الحرب. وجاء التوزيع كالتالي، وفقاً للبيانات الرسمية:
حلب: 14 نائباً (أعلى حصة، تعكس حجم المحافظة السكاني والسياسي ودورها في الثورة)
الحسكة: 7 نواب (تعويض عن تأجيل الانتخابات فيها)
Хомс: 6 депутатов
Дейр-эз-Зор: 6 депутатов
حمص: 6 نواب
دير الزور: 6 نواب
دمشق: 5 نواب
حماة: 5 نواب (من بينهم روزينا لاذقاني)
ريف دمشق: 5 نواب
إدلب: 5 نواب
درعا: 4 نواب
اللاذقية: 4 نواب
الرقة: 3 نواب (تعويض عن تأجيل الانتخابات)
القنيطرة: 2 نائبان طرطوس: 2 نائبان السويداء: 2 نائبان (تعويض عن تأجيل الانتخابات)
ويُلاحظ أن هذه القائمة شملت "ذوي شهداء، وناجين من المعتقلات ومن الهجمات الكيميائية، ونخبة من الأكاديميين والخبراء وأصحاب الكفاءات ووجهاء المجتمع"، مما يعكس محاولة لتمثيل التنوع الاجتماعي والسكاني السوري، ومعالجة الثغرات الجغرافية التي أفرزتها الانتخابات المباشرة.
بين غياب البرلمان وهيمنة السلطة التنفيذية
كشفت دراسات عدة، مثل دراسة مركز "جسور"، عن التأثير السلبي لتأخر تشكيل المجلس، حيث منح السلطة التنفيذية هامشاً واسعاً للحركة وإصدار تشريعات دون رقابة برلمانية. من هذا المنظور، فإن تعيين لاذقاني وغيرها من النواب المعينين، خاصة من ذوي الخلفيات الفنية والإعلامية، قد يُقرأ كجزء من استراتيجية لضمان وجود كتلة برلمانية متعاونة لا تعقّد مسار السلطة التنفيذية، لكنه في الوقت نفسه يعكس رغبة في ضخ دماء جديدة وقدرة على كسر الجمود السياسي عبر الرموز الشعبية.
تحديات الأداء البرلماني
رغم الرمزية الإيجابية للتعيين، تطرح عضوية لاذقاني تساؤلات حول:
الخبرة التشريعية: هل يمكن لممثلة أن تضطلع بدور تشريعي ورقابي فعال دون خلفية سياسية أو قانونية؟ خاصة أن مهمتها ستتجاوز الرمزية إلى صياغة القوانين ومناقشة الموازنات.
التوفيق بين الفن والسياسة: كيف ستوفق بين مسيرتها الفنية وعضويتها في المجلس، خاصة بعد تعهدها بأن تكون "أكثر حرصاً في اختيار الأعمال الفنية"؟ وهل ستتخلى عن التمثيل كلياً أم ستجمع بينهما؟
الاستقلالية: هل ستكون عضواً فاعلاً ومستقلاً، أم ستبقى ضمن الكتلة الموالية للسلطة التنفيذية التي عينتها؟ خصوصاً أن الثلث المعين يحمل بطبيعته ولاءً للرئيس.
الضغوط الجماهيرية: كيف ستتعامل مع توقعات أبناء حماة الذين يرون فيها رمزاً لمدينتهم، ومع الانتقادات التي قد تطالها إن قصّرت في أدائها البرلماني؟
رابعاً: خلاصة استراتيجية
يمثل تعيين روزينا لاذقاني نائباً في مجلس الشعب السوري أكثر من مجرد خبر عابر؛ إنه مؤشر على التحولات العميقة التي تشهدها سوريا، حيث تتداخل السياسة بالثقافة والهوية والجغرافيا. يعكس هذا القرار محاولة السلطة الجديدة بناء شرعيتها عبر:
الرموز: اختيار شخصيات لها صدى جماهيري، مثل لاذقاني، لتوليد "صدمة إيجابية" وكسر صورة البرلمان التقليدية.
الجغرافيا: تمثيل المناطق المنكوبة والمقاومة (حماة)، وتعويض المناطق المتأخرة انتخابياً (الحسكة، الرقة، السويداء)، وإعادة التوازن الإقليمي عبر توزيع دقيق للنواب المعينين يشمل كل المحافظات بنسب متفاوتة.
النوع الاجتماعي: تعزيز التمثيل النسائي إلى 21 عضوة، وهي خطوة جريئة في مجتمع محافظ.
الانفتاح: كسر النمطية في اختيار النواب، بضم معارضين سابقين، وأكاديميين، وشخصيات دينية وإثنية، ومعتقلين سياسيين، مما يوسع قاعدة الشرعية الاجتماعية.
التعددية السياسية: احتواء قوى المعارضة المختلفة، من الائتلاف الوطني إلى تيار الغد السوري وفصائل رجال الكرامة والمنظمات الآثورية، في محاولة لبناء جبهة داخلية متماسكة.
لذلك، فإن إعادة نشر مقال "وردة روزينا لازغانا في حديقة المجلس الشعبي" ليست مجرد استعادة لخبر سابق، بل هي فرصة لتقييم المرحلة الانتقالية السورية، وقراءة دلالات تعيين الممثلات والسياسيات والثوريات في المؤسسات الحكومية، وطرح أسئلة أعمق حول مستقبل الديمقراطية والتوازنات السياسية في سوريا الجديدة.
كما يقول الزميل أيمن، فإن هذه "خطوة تضاف إلى خطوات عديدة اتخذتها السلطة الجديدة، تعكس انفتاحها على جيل الشباب المتعلم في سوريا، وتكشف عن نيتها استثمار القوة الناعمة السورية في بناء سوريا الغد، وتوظيف المواهب والنخب الثقافية والفنية والأكاديمية في ذلك".
لكن النجاح النهائي لهذه الاستراتيجية سيتوقف على ما إذا كانت هذه الرموز ستتحول إلى قوة تشريعية ورقابية حقيقية، بدلاً من أن تبقى مجرد وردة في حديقة المجلس.