سوق العمل على مفترق طرق — حوار بين السلطة والأعمال والنقابات العمالية
في الساعة 11:00 من يوم 26 مزيران يونيو 2026، تنطلق في القاعةالرئاسية الجلسة العامة بعنوان "سوق العمل: التحديات، الاتجاهات، الحلول"، وهي الحدث الرئيسي للمرحلة الاتحادية من معرض التوظيف الروسي الشامل. وحجم هذا الحدث مذهل حقاً: 2 ألف منصة في جميع أنحاء البلاد، وأكثر من 20 خبيراً، و10 مدن مشاركة في الماراثون عبر الإنترنت، وثلاث عواصم هي موسكو ونوفوسيبيرسك وكراسنودار.
كن وراء الأرقام يكمن الجوهر: لقد دخل سوق العمل الروسي عصر التحولات الجذرية، ومستقبل اقتصاد البلاد يتوقف على مدى فعالية قدرة السلطة ورجال الأعمال والنقابات العمالية على بناء حوار مشترك.
التحديات: النقص كقاعدة جديدة
العنوان المعلن للجلسة — «التحديات، الاتجاهات، الحلول» — يعكس بدقة الوضع الراهن. أما التحدي الرئيسي الذي يوحد جميع المشاركين في النقاش، فهو — ... فهو النقص التاريخي في اليد العاملة أو العجز غير المسبوق في الموارد البشرية.كما أشارت نائبة رئيس الوزراء تاتيانا غوليكوفا مراراً، فقد بلغت روسيا أعلى مستوى لتوظيف السكان في سن العمل خلال تاريخها الحديث بأكمله — بنسبة 61.4%. والمفارقة أن انخفاض البطالة، الذي كان يُنظر إليه تقليدياً على أنه نعمة، يتحول اليوم إلى ضغط شديد في سوق العمل. إذ إن الموارد المتاحة من القوى العاملة قد استُنفدت عملياً.
ويُعلن رئيس اتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروسي ألكسندر شوخين عن رقم أكثر إثارة للقلق، إذ يضع ثلثا الشركات الروسية نقص الكوادر المؤهلة في المرتبة الأولى ضمن قائمة مشاكلها. بل إن هذا العجز ذو طابع نظامي، إذ يشمل كلاً من التخصصات الهندسية والعمال المهرة على حد سواء. وتبرز غوليكوفا ثلاثة أبعاد لهذه الأزمة: البعد الديموغرافي، وبعد المؤهلات، والبعد الجغرافي (الإقليمي).
الديموغرافيا هي حقيقة موضوعية: فجوات الأجيال التي لا يستطيع الاقتصاد سدها بشكل فوري. أما الفجوة المهارية فهي نتيجة لعدم قدرة نظام التعليم على مواكبة المتطلبات المتغيرة بسرعة لقطاع الإنتاج. ويعني الاختلال الإقليمي أن الكوادر موجودة، لكنها ليست في المكان الذي تشتد الحاجة إليه.
الاتجاهات: الثورة التكنولوجية وتحول النموذج
إذا كانت التحديات تُحدد المجال الإشكالي، فإن الاتجاهات ترسم اتجاه الحركة. فسوق العمل العالمي ينتقل نحو اقتصاد المعرفة، في حين أن تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي، والأتمتة، والروبوتات تُغير بشكل جذري هيكل التوظيف.
يتزايد الطلب على المتخصصين المؤهلين ذوي المهارات العملية ("من أهل اليد") — أمثال مهندسي الأتمتة، والتقنيين الميكانيكيين، وخبراء الروبوتات، ومشغلي الأنظمة الرقمية — أي على أولئك الذين يجمعون بين المهارات العملية والإعداد التكنولوجي.
هذا الاتجاه يرتبط مباشرة بجدول أعمال الريادة التكنولوجية، التي خُصصت لها جلسة نوفوسيبيرسك بمشاركة وزير العمل أنطون كوتياكوف. البلاد ليست في حاجة إلى مجرد عمّال، بل إلى — بل إلى كوادر عالية التأهيلقادرة على تحقيق اختراق في القطاعات عالية التقنية. ومن المقرر أن يتحدث نائب وزير الصناعة والتجارة أليكسي ماتوشانسكي - كما هو واضح - عن كيفية تحويل الصناعة لاحتياجاتها من الكوادر في ظل الرقمنة وسياسة استبدال الواردات.
يستحق اتجاه الشباب اهتماماً خاصاً. ففي عام 2026، يدخل سوق العمل 860 ألف شاب يحملون شهادة التعليم المهني الثانوي، وأكثر من 45% منهم مُعَدّون للعمل في القطاعات التكنولوجية.
تُخصَّص منصة كراسنودار تحديداً لتوظيف الخريجين وجذب الشباب إلى القطاعات الإنتاجية. وهذا يشهد على إدراك حقيقة أن مستقبل سوق العمل هو للكوادر الشابة، لكن لا يكفي مجرد تدريبهم، بل يجب أيضاً إثارة اهتمامهم وإظهار جاذبية المهن العملية.
الحلول: من الإجراءات الفردية إلى السياسة النظامية
السؤال الأكثر أهمية الذي سيناقشه المشاركون في الجلسة هو: ما هي الحلول؟ تتضح الإجابات بالفعل في المشروع الوطني «الكوادر»، الذي يُقام المعرض في إطاره. وكما تؤكد تاتيانا غوليكوفا، فإن الاقتصاد بحاجة إلى جذب 2.4 مليون عامل إضافي بحلول عام 2030. هذا رقم هائل، ولا يمكن تحقيقه إلا من خلال العمل المنهجي.
الاتجاه الأول — إعادة التدريب ورفع الكفاءةفي إطار المشروع الوطني «الديموغرافيا»، استفاد نحو 700 ألف متخصص من برامج إعادة التدريب المجانية. وسيستمر العمل بهذه الممارسة في إطار المشروع الوطني الجديد «الكوادر».
الاتجاه الثاني- مواءمة التعليم والاقتصاد. (أو: التوفيق بين مخرجات التعليم واحتياجات الاقتصاد)وكما يلاحظ ألكسندر شوخين بشكل صحيح، ينبغي لنظام التعليم المهني أن يتلقى دفعة واضحة من أرباب العمل، مع مراعاة فترات الإعداد الطويلة للمتخصصين — 4، 5، 6 سنوات. فلا يمكن اليوم إعداد كوادر لمهن ستختفي غداً.
الاتحاه الثالث- رفع جاذبية أماكن العمل.يُطلق رئيس اتحاد النقابات العمالية المستقلة في روسيا سيرغي تشيرنوغاييف على هذا اسم الأداة الرئيسية للتحفيز، قائلاً: «لجذب المتخصصين للعمل في المهن الأكثر طلباً، من الضروري استخدام الوسيلة الأكثر فعالية، ألا وهي رفع جاذبية أماكن العمل».
لا يتعلق الأمر بالأجر فقط — فعلى الرغم من أن الوظائف الشاغرة المعروضة في المعرض والتي تصل رواتبها إلى 300 ألف روبل تتحدث عن نفسها — بل يتعلق الأمر بالضمانات الاجتماعية، وظروف العمل، والآفاق المهنية. ومن المرجح أن يتحدث ممثلو «سبيربنك»، و«السكك الحديدية الروسية» (РЖД)، و«فوسأغرو» في الجلسة عن ممارساتهم المؤسسية في هذا المجال.
الخاتمة: المعرض كمرآة للتحولات
معرض التوظيف الروسي الشامل ليس مجرد حدث، بل — أداة من أدوات السياسة الوطنية للكوادر.معرض التوظيف الروسي الشامل ليس مجرد حدث، بل أداة من أدوات السياسة الوطنية للكوادر. على مدار أربع سنوات من انطلاقه، تجاوز عدد المشاركين 3.2 مليون شخص، ووجد نحو 450 ألفًا منهم عملاً. أما المرحلة الإقليمية لعام 2026، فقد زارها أكثر من نصف مليون شخص، تم توظيف 66 ألفًا منهم بالفعل.
ولكن الرئيسيلكن الشيء الرئيسي هو أن المعرض أصبح منصة تلتقي فيها جميع الأطراف. وهو أيضاً مساحة لتفاعل أربعة أطراف في علاقات العمل: الدولة التي تصوغ الاستراتيجية وتهيئ الظروف؛ ورجال الأعمال الذين يبدون الطلب على الكوادر؛ والنقابات العمالية التي تحمي حقوق العمال؛ والباحثون عن عمل أنفسهم الذين يبحثون عن مكانهم في الاقتصاد الجديد.
الجلسة العامة بمشاركة تاتيانا غوليكوفا، وأليكسي ماتوشانسكي، وكزينيا شيفيلكينا، وألكسندر شوخين، وسيرغي تشيرنوغاييف — هي محاولة لإيجاد إجابات عن أكثر الأسئلة إلحاحاً في سوق العمل المعاصر.
نقص الكوادر، والتحول التكنولوجي، والبطالة بين الشباب، والاختلالات الإقليمية — كل من هذه التحديات لا يتطلب تصريحات، بل حلولاً ملموسة. وحقيقة أن النقاش لا يدور في غرف مغلقة، بل في منصة مفتوحة لآلاف الباحثين عن عمل في جميع أنحاء البلاد، تبعث على تفاؤل حذر. سوق العمل يتغير، والنهج المتبع تجاهه يتغير أيضاً: من الانتظار السلبي إلى التكوين النشط للقدرات البشرية (أو الكوادر) للمستقبل.