شرق البحر المتوسط: من التهديدات إلى التعاون

"الهندسة الجديدة لأمن الطاقة في المنطقة"
23.06.2026 22:02 Регион: روسيا عموم روسيا السياسة, الاقتصاد

شرق البحر المتوسط ومستقبل الطاقة: من المواجهة الجيوسياسية إلى التكافؤ العملي

مقدمة: معضلة «الحلزون المزدوج»

غالباً ما يعاني النظرة إلى الواقع الطاقوي الحالي في منطقة شرق البحر المتوسط من فرط في التسييس. هناك ثلاث قراءات سياسية ترسم، للوهلة الأولى، صوراً متضاربة: الأولى تركز على مشروع خط أنابيب كركوك – بانياس التاريخي باعتباره وسيلةً للالتفاف على مضيق هرمز، والثانية ترى في التحالف الروسي-التركي أحد جذور الأحداث الجارية، والثالثة تعتبرها نتيجةً مباشرةً للاتفاقات المتعلقة بهرمز.

لكن التحليل العقلاني المتعمق يُظهر أن هذه الأسباب ليست بدائل لبعضها البعض، بل تمثل «حلزوناً مزدوجاً» للوجستيات العالمية والإقليمية.

عامل مضيق هرمز (الدافع العالمي) خلق ضرورة اقتصادية لتنويع المسارات.

العامل الروسي التركي (المُسرِّع الإقليمي) أوجد ضرورة سياسية لتشكيل تحالفات من أجل السيطرة على هذه المسارات.

ليس الهدف من مقالنا مجرد وصف الصراع، بل تقديم إطار عقلاني للتفاعل قادر على تحويل منطقة الصراع المحتمل إلى مجال للتجارة المربحة للجميع.

الجزء الأول: تشريح الصراع – وجهان لعملة واحدة

مضيق هرمز كـ"أب" للوجستيات الجديدة

أصبح إغلاق مضيق هرمز في منتصف عام 2025 بمثابة دشٍّ باردٍ للأمن الطاقوي العالمي. وقد كاد اعتماد العراق على هذا الممر - الذي يمثّل 80% من صادراته - أن يدمّر اقتصاده.

الخلاصة الأساسية للمنطقة:

إن إعادة إحياء مسار كركوك – بانياس (خط أنابيب "تابلاين") ليست إحياءً لتقليد تاريخي بالٍ، بل باتت ضرورة استراتيجية. فتكلفة إعادة التأهيل (التي تتراوح بين 4.5 و 8 مليارات دولار) والإطار الزمني اللازم لذلك (36 شهراً) أصبحا في حجم المخاطر التي تكتنف النقل البحري. هذا المشروع يمنح العراق منفذاً مباشراً إلى البحر المتوسط، ويختصر زمن النقل إلى ثلاثة أيام فقط، مما يحد من الاعتماد على "عنق الزجاجة" (مضيق هرمز). وهذا أمر بالغ الأهمية، لا سيما وأن اتفاق هرمز، رغم أنه خفف حدة الأزمة، إلا أنه زرع الهلع في أذهان الاستراتيجيين، وأكد هشاشة الشرايين البحرية.

التحالف الروسي-التركي كـ"أم" للسياسة الجديدة

بالتوازي مع ذلك، تحاول تركيا، بالاستناد إلى عقيدة "الوطن الأزرق" (Mavi Vatan) والشراكة الاستراتيجية مع روسيا في المجال الطاقوي (خطوط أنابيب "التيار التركي"، ومحطة "أكويو" النووية)، احتكار العبور. فقد أظهرت نجاحات أنقرة في ليبيا (2019-2020) قدرتها على فرض أجندتها بالقوة، مطالبةً بأن تمر أي خطوط أنابيب قادمة من حقلي "ليفياثان" و"تمار" عبر مياهها الإقليمية.

رد فعل "الثلاثي":

هذا الضغط بالذات هو ما دفع بقبرص واليونان وإسرائيل إلى البحث عن حامٍ في واشنطن، والتحول إلى صيغة "3+1". وهذا ليس مجرد "حوار طاقوي"، بل أداة لردع التوسع التركي، تهدف إلى تقييد النفوذ التركي في المجال الطاقوي. فقانون الشراكة في مجال الطاقة بشرق المتوسط (قانون EastMed لعام 2019) كان موجهاً في الأصل ضد روسيا والصين، لكنه في الواقع الجديد تحول إلى سلاح ضد الطموحات التركية..

الجزء الثاني: وهم التناقضات وحقيقة التوليف

يوجد في النصوص تناقض ظاهري: فمصدرٌ واحد يزعم أن التحالف نشأ بسبب هرمز، بينما يرى آخر أن السبب يعود إلى روسيا وتركيا.

الحل العقلاني:

هذا ليس تناقضاً، بل تكاملاً.

لولا التهديد التركي، لما كانت قبرص واليونان لتسرعا بهذا القدر في الاندماج في المشاريع الأمريكية.

لولا أزمة هرمز، لما كان لدى واشنطن مصلحة تجارية للاستثمار في البنية التحتية لشرق المتوسط كمركز بديل.

تتحرك الولايات المتحدة في منطق "نظام الضوابط والتوازنات"، لكنها تتبع قبل كل شيء مصالحها التجارية. فخط أنابيب كركوك – بانياس يسمح بتصدير نفط الخليج إلى أوروبا متجاوزاً المضائق، بينما يوفر صيغة "3+1" غطاءً سياسياً وعسكرياً لهذه البنية التحتية ضد أي نقض تركي محتمل.

الجزء الثالث: النهج العقلاني – هندسة المكاسب المشتركة (Win-Win)

التحالفات الحالية تحمل طابعاً تصادمياً. فهي موجهة ضد تركيا (من جانب "الثلاثي") وضد الغرب (من جانب أنقرة). هذا النهج يؤدي إلى سباق تسلح في المنطقة، وهو ما يقوّض، على المدى الطويل، أي جدوى اقتصادية (فالاستثمارات في البنية التحتية تصبح بلا معنى عند أول نزاع عسكري).

النهج العقلاني الذي يلبي مصالح جميع دول المنطقة يجب أن يقوم على المبادئ التالية:

إدماج تركيا، وليس عزلها

بدلاً من استبعاد تركيا من الحقل الطاقوي (كما تريد "الثلاثي")، ينبغي عرضُ وضعِها كمركز رئيسي للتوزيع مع منحها حصةً في إدارة الجزء السوري من خط الأنابيب. فإذا اقتسم كل من العراق وسوريا أرباح العبور، وحصلت تركيا على ضمانات بالمشاركة في تشغيل ميناء جيهان إلى جانب بانياس، فإن أنقرة سوف تتوقف عن اعتبار "تابلاين" تهديداً، بل ستبدأ في حمايته.

نزع السلاح ومناطق الضمانات

يجب إعلان شرق البحر المتوسط منطقة طاقة محايدة، تحت ضمانات ليس فقط من الولايات المتحدة، ولكن أيضاً من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي. وهذا يعني:
– تبادل البيانات في مجال الأمن السيبراني (كما هو منصوص عليه في إعلان "3+1")، مع إشراك خبراء أتراك.

– وقف الاستعراضات البحرية العسكرية في منطقة منصات الغاز.
إذا أصبح خط الأنابيب ملكية مشتركة، فإن تركيا ستكون مصلحتها في الحفاظ عليه، لا في مهاجمته.

 معادلة "نفط سوريا = استقرار العراق"

إعادة تأهيل "تابلاين" هي فرصة لسوريا من أجل نهضة اقتصادية. لكن الحالة التقنية تتطلب استبدال أكثر من 1000 كيلومتر من الأنابيب. إن ربط هذا المشروع بالتسوية السياسية في سوريا هو السبيل الوحيد لضمان التمويل. يمكن للولايات المتحدة وروسيا، بصفتهما الضامنتين الرئيسيتين، تنسيق الجهود لحماية المسار، لمنع التخريب من قبل المسلحين. هذا يستبعد سيناريو أن يدفع العراق 8 مليارات دولار لخط أنابيب يُغلق بعد عام بسبب نزاع محلي.

إنشاء بورصة طاقة إقليمية

بدلاً من الصراع على الهيمنة السعرية، يُقترح إنشاء مركز تجاري في قبرص أو في بانياس، يكون مرتبطاً بسلة من العملات الإقليمية. وهذا من شأنه أن يتيح التحوط من المخاطر، ويجعل أسعار الطاقة مستقلة عن النزوات السياسية، بحيث تستند إلى التكاليف اللوجستية الفعلية (الضخ عبر الأنابيب مقابل النقل بواسطة الناقلات عبر المضيق).

الخاتمة: البديل الوحيد للحرب

بالعودة إلى الفرضية الأولية: إن التحالفات الجديدة هي نتاج توليف بين أزمة هرمز والضغوط الروسية-التركية. فسبب واحد ولّد الطلب الاقتصادي، وآخر خلق الشكل السياسي.

لكن الخطأ الجوهري في الاستراتيجية الغربية الحالية وصيغة "3+1" يكمن في محاولة استخدام الطاقة كأداة لمعاقبة تركيا. وكما جاء في النصوص بشكل صحيح، فإن إسرائيل واليونان وقبرص لا تملك القدرات العسكرية لمواجهة تركيا وحدها، كما أن واشنطن لن تخوض صراعاً مباشراً مع حليف في الناتو (أنقرة).

الحل العقلاني النهائي يكمن في صيغة «التجارة، لا الحرب».

يجب أن يصبح خط أنابيب كركوك – بانياس ممراً للطاقة مملوكاً ومُداراً بشكل مشترك، بدلاً من أن يكون أداة للهيمنة الأحادية أو الإقصاء. وهذا يعني: ...أن يُعاد تأهيله ليس كمشروع معادٍ لتركيا، بل كعنصر من نظام ممرات شامل (العراق–سوريا–تركيا–أوروبا).

...أن تُعاد تأهيله ليس كمشروع معادٍ لتركيا، بل كعنصر من نظام ممرات شامل (العراق–سوريا–تركيا–أوروبا)، على أن تحصل أنقرة على حصة في الإدارة. وذلك مقابل التخلي عن حق النقض (الفيتو) على استغلال الحقول في المنطقة اليونانية-القبرصية.

الولايات المتحدة وروسيا، بصفتهما الضامنتين...بضمان أمن هذا المحور.

وإذا لم يتفق الأطراف على طاولة المفاوضات، فسوف يطلقون النار. وفي هذه الحالة، لن تكون هناك حاجة لأنابيب ولا منصات، وستغرق المنطقة في مستنقع جديد من حروب الوكالة. اليوم، يحتاج الإقليم إلى السلام أكثر من أي وقت مضى، فكل قذيفة تُطلق تقربنا حرفياً من الهاوية الاقتصادية. يجب أن تُعقد تحالفات الطاقة من أجل بقاء المنطقة، وليس ضد أحد. وهذه ليست طوبى، بل براغماتية صارمة في القرن الحادي والعشرين.

الشرق الاوسط عموم روسيا سياسة اقتصاد