Срочная новость

سوريا: مؤسسات أم فوضى فصائلية؟

بناء المؤسسات وسط الفوضى الأمنية
08.07.2026 12:22 Регион: العالم العربي عموم روسيا

سوريا بين المؤسسات والفصائل: قراءة في مرسوم المحكمة الدستورية وتحديات المرحلة الانتقالية

في خطوة تحمل دلالات عميقة حول طبيعة المرحلة الانتقالية في سوريا، أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم (149) لعام 2026 القاضي بتشكيل المحكمة الدستورية العليا، وذلك بعد نحو عام ونصف من الإطاحة بنظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 . يأتي هذا القرار في سياق سياسي وأمني معقد، تتزامن معه زيارة تاريخية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق هي الأولى لرئيس غربي منذ سقوط النظام السابق، والأولى لرئيس فرنسي إلى سوريا منذ عام 2009 .

المحكمة الدستورية: بناء المؤسسات في زمن الانتقال

يمثل المرسوم رقم 149 تجسيدًا عمليًا للمادة 47 من الإعلان الدستوري الذي وقعه الرئيس الشرع في مارس/آذار 2025، والذي حدد المرحلة الانتقالية بخمس سنوات . وقد عُين الدكتور عصام خالد الخليف رئيسًا للمحكمة، إلى جانب ستة أعضاء: القضاة المستشارين خير الله نديم غنوم، ومحمد مصطفى سبيع، وإيمان أنطوان نوري، والدكتور إسماعيل حمادي الخلفان، والدكتورة ريعان حسن كحيلان، والمحامي عارف أحمد الشعال .

وحدد المرسوم المهام الأساسية للمحكمة، والتي تتركز في أربعة محاور رئيسية: الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة، وإبداء الرأي في دستورية مشروعات القوانين بناءً على طلب رئيس الجمهورية، وإبداء الرأي في دستورية اقتراحات القوانين بناءً على طلب رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الشعب، وتفسير نصوص الإعلان الدستوري بناءً على طلب رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس الشعب . وتؤدي المحكمة هذه المهام "ريثما يصدر القانون الذي ينظم آلية عملها واختصاصاتها"، مما يشير إلى الطبيعة المؤقتة لهذا الترتيب في إطار بناء الدولة الجديدة.

زيارة ماكرون: رسائل سياسية وتحديات أمنية

في تطور موازٍ، شكلت زيارة الرئيس الفرنسي إلى دمشق محطة مفصلية، حيث حملت رسائل سياسية واقتصادية مهمة. ووفقًا لتحليلات خبراء سوريين، فإن الزيارة تعكس مصالح فرنسا السياسية والاقتصادية ورغبتها في بناء علاقة جديدة مع دمشق والاستفادة من فرص الاستثمار المتاحة . وقد ركز الجانبان على ملفات إعادة الإعمار، حيث شارك في الزيارة وفد اقتصادي كبير ضم ممثلين عن شركات فرنسية كبرى في مجالات الطاقة والنقل والبنية التحتية .

غير أن الزيارة كشفت عن خلل أمني عميق، تمثل في وقوع انفجارين بالقرب من مقر إقامة الرئيس الفرنسي . وقد اعتبر المحلل السياسي بشار محمد أن "الفلتان الأمني وعدم انضباط بعض الفصائل يمثلان أبرز التحديات أمام ترجمة نتائج الزيارة على أرض الواقع" . وتثير هذه الحادثة تساؤلات جدية حول قدرة الحكومة الانتقالية على فرض سيطرتها الأمنية، خاصة في ظل تعدد الفصائل المسلحة المنتشرة في مختلف المحافظات.

تعدد الفصائل: تحدٍّ وجودي للدولة

يمثل تعدد الفصائل العسكرية أحد أبرز التحديات التي تواجه الحكومة الانتقالية. فوفقًا لتقرير صادر عن "عنب بلدي"، ينتشر في سوريا 21 فرقة عسكرية موزعة على 10 محافظات، خلفت وراءها مسميات فصائلية متعددة بعد الإطاحة بالنظام . ورغم محاولات وزارة الدفاع دمج 130 فصيلًا في 25 فرقة ضمن مؤسسة عسكرية واحدة، لا تزال هناك تحديات كبيرة في هذا المسار .

وتتمركز في دمشق وريفها ثلاث فرق رئيسية، أبرزها "الفرقة 90" التي تسعى لتكوين قوات مشابهة للحرس الجمهوري لحماية العاصمة، وتقودها كوادر من "هيئة تحرير الشام" النواة الأساسية للسلطة الحالية . كما تنتشر فرق أخرى في حلب (4 فرق)، وإدلب (فرقتان)، وحمص (3 فرق)، وحماة (4 فرق)، ودرعا (فرقة واحدة)، مما يعكس تنوع الفصائل وخلفياتها الجغرافية والإيديولوجية .

آليات الخروج من التعددية الفصائلية

يمكن تحديد عدة مسارات لمعالجة هذه التعددية وبناء جيش وطني موحد:

أولاً: المصالحة والدمج المؤسسي - وهو المسار الذي بدأته وزارة الدفاع بالفعل عبر لقاءات مع 130 فصيلًا، ويحتاج إلى استمرار مع وضع جداول زمنية واضحة ومحفزات مادية ومعنوية للفصائل المنضمة .

ثانيًا: إعادة هيكلة القيادة العسكرية - حيث يلاحظ أن معظم قادة الفرق الجديدة هم من الكوادر البارزة في "هيئة تحرير الشام" وفصائل "الجيش الوطني" سابقًا، مما يستدعي توسيع قاعدة القيادة لتشمل تمثيلًا أكثر تنوعًا .

ثالثًا: بناء مؤسسات أمنية وقضائية قوية - وهو ما أكد عليه الرئيس الفرنسي خلال زيارته، حيث دعا مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني إلى مواصلة دعم العدالة الانتقالية وإصلاح المؤسستين الأمنية والقضائية .

رابعًا: الاستفادة من الضغط الدولي والإقليمي - فالانفتاح الدولي المتزايد على سوريا، كما ظهر في زيارة ماكرون، يخلق حافزًا للحكومة لضبط الأمن وتوحيد الفصائل، إذ أن استمرار الفوضى الأمنية قد يعيق جهود إعادة الإعمار وجذب الاستثمارات .

خاتمة

يجسد المرسوم رقم 149 خطوة مهمة في مسار بناء المؤسسات الدستورية، لكن نجاحه مرتبط بقدرة الحكومة الانتقالية على مواجهة التحديات الأمنية المتمثلة في تعدد الفصائل. زيارة ماكرون كشفت بوضوح أن الانفتاح الدولي مرهون بتحقيق الاستقرار الأمني، وأن الفوضى الأمنية قد تقوض مكاسب المرحلة الانتقالية. ويبقى السؤال المطروح: هل ستنجح الحكومة في تحويل الفصائل من كيانات مستقلة إلى أجزاء من مؤسسة عسكرية وطنية موحدة، أم أن هذه التعددية ستظل عائقًا أمام استقرار سوريا الجديدة؟ الأيام المقبلة ستكشف مدى قدرة الأطراف المختلفة على تجاوز خلافاتها والالتزام ببناء دولة المؤسسات التي طالما حلم بها السوريون.

مراقب سوراقي

عموم روسيا عموم روسيا سياسة اقتصاد