قازان: أرقام قياسية في التسامح والحلال

أرقام قياسية في الوحدة: قازان، روسيا، الإسلام
17.05.2026 22:04 Регион: العالم العربي عموم روسيا الثقافة, السياسة, السياحة, الاقتصاد

أصبحت قازان في هذه الأيام مركز جذب للأمة الإسلامية جمعاء ولغيرها أيضًا. ففي الفترة من 12 إلى 17 مايو، يُعقد هنا المنتدى الاقتصادي الدولي السابع عشر "روسيا – العالم الإسلامي: قازان فوروم". وهذا العام مميز لعاصمة تتارستان، إذ تحمل المدينة لأول مرة لقب "العاصمة الثقافية للعالم الإسلامي"، مما أضفى على الفعالية وزنًا رمزيًا إضافيًا. وقد جمع المنتدى عددًا قياسيًا من المشاركين، حيث أكد ممثلون من 103 دول مشاركتهم. وهذا ليس مجرد لقاء عمل، بل منصة قوية لتعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية والعلمية والتقنية والاجتماعية والثقافية بين روسيا والدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي.

من بين الضيوف الرئيسيين: تركيا، تركمانستان، أذربيجان، الإمارات العربية المتحدة، عُمان. وتستحق زيارة رئيس المجلس الشعبي لتركمانستان، قربانقلي بردي محمدوف، اهتمامًا خاصًا: حيث كان في استقباله شخصيًا في مطار قازان رئيس تتارستان، رستم مينيخانوف. تركمانستان، كما أذكر، ليست عضوًا في منظمة التعاون الإسلامي، لكنها تتمتع بوضع مراقب وتشارك تقليديًا في المنتدى كشريك مهم.

غير أن الجغرافيا السياسية فرضت تعديلاتها: وفقًا لوسائل الإعلام، انسحبت قطر في اللحظة الأخيرة من المشاركة على خلفية تصاعد الصراع في الشرق الأوسط. لكن بالمقابل، أثبت وفد أفغاني رسمي تابع لحركة "طالبان" حضوره في المنتدى، وهو ما اعتبره الكثيرون بادرة دبلوماسية.

كان برنامج المنتدى مزدحمًا إلى أقصى حد. ومن أبرز الفعاليات الإنسانية، المائدة المستديرة "الحوار الإماراتي – الروسي: الثقافة، التسامح، والتعايش السلمي"، التي نظمتها سفارة دولة الإمارات العربية المتحدة في روسيا الاتحادية. وتحدث المشاركون عن دور الدين في العالم المعاصر، وكيفية الحفاظ على الاحترام المتبادل وتطوير التعاون الإنساني.

على خلفية التوتر العالمي، بدا هذا الموضوع حادًا بشكل خاص، وفي الوقت نفسه كان ذا طابع تصالحي. وفي أجنحة معرض "قازان حلال ماركت" (Kazan Halal Market)، كانت تدور حياة مختلفة تمامًا، لكنها لا تقل أهمية. قدمت حوالي مئة شركة من 11 منطقة روسية وتسع دول أجنبية منتجاتها — من مستحضرات التجميل، والملابس، واللوازم، والإكسسوارات، والسلع المنزلية، وبالطبع المواد الغذائية. وكلها حاصلة على شهادات جودة "حلال"، التي لم يعد من الممكن اليوم تصور أي دخول جاد إلى أسواق الدول الإسلامية بدونها.

لكن الأخبار الرئيسية كانت بلا شك في المجال الاقتصادي. فخلال أيام المنتدى، صدق مجلس الدوما على اتفاقيتين تاريخيتين مع دولة الإمارات العربية المتحدة. الأولى تتعلق بالتجارة الحرة بين الاتحاد الاقتصادي الأوراسي والإمارات. وتفتح هذه الوثيقة وصولًا معفى من الرسوم الجمركية إلى السوق الإماراتية لنسبة 95 بالمئة من السلع الروسية، وتخفض متوسط الرسوم الجمركية إلى أكثر من ثلاثة أضعاف — من 4،7 إلى 1،4 بالمئة.

أما الاتفاقية الثانية فتتعلق بتجارة الخدمات والاستثمارات: فهي تزيل الحواجز في القطاعات المالية والنقل والاستشارات، والأهم من ذلك أنها تسمح للشركات الروسية بامتلاك100% من رأس المال في عدد من القطاعات داخل أراضي الإمارات — مثل تكنولوجيا المعلومات والتعليم. وهذه ليست أرقامًا مجردة، بل خطوة حقيقية نحو تعميق الشراكة. وأذكر أن حجم التبادل التجاري بين روسيا والإمارات في عام 2025 بلغ مستوى قياسيًا تاريخيًا بلغ 12 مليار دولار، مما جعل الإمارات الشريك التجاري العاشر لروسيا من حيث الحجم. ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم بنسبة15% إضافية بحلول عام 2030

ولم تبق صناعة الحلال بمنأى عن ذلك، فهي إحدى بطاقات التعريف الأساسية لمنتدى قازان. فمع نهاية عام 2025، بلغت صادرات المنتجات الحلال الروسية ما يقارب 400 مليون دولار، مسجلة نموًا بنسبة 15%مقارنة بالعام السابق. وإذا نظرنا إلى أفق أوسع، نجد أن الأحجام قد ارتفعت بنسبة86% خلال السنوات الخمس الماضية. والمحرك الرئيسي هو لحوم الدواجن، التي حققت عائدات تصديرية بلغت 252 مليون دولار في العام الماضي.

غير أن الخبراء في المنتدى دقوا ناقوس الخطر: السوق يعتمد بشكل كبير على منتج واحد وعميل واحد. إذ تستحوذ المملكة العربية السعودية على 76% من التوريدات الحلال الروسية. والحل هو التنويع، وقد نوقشت في قازان فورم 2026 بنشاط توجهات جديدة: المنتجات الحلالية لشمال إفريقيا، واللحوم لجنوب شرق آسيا. كما انعقد هنا لأول مرة مؤتمر البنوك الوطنية لدول منظمة التعاون الإسلامي، المكرس لتطور التمويل الإسلامي — وهو موضوع لم يعد من الممكن اليوم الحديث عن تعاون اقتصادي كامل بدونه.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، رغم أنه لم يحضر شخصيًا إلى قازان، إلا أنه منح المنتدى مكانة فيدرالية. فقد ألقى كلمته البرنامجية نيابة عنه نائب رئيس الوزراء مارات خوسنولين، الذي ترأس الوفد الروسي. وجاء في كلمة رئيس الدولة خط واضح: روسيا تعتزم مواصلة توسيع التعاون المتبادل المنفعة مع العالم الإسلامي، رغم أي تحديات خارجية. وإذا حكمنا من خلال عدد الاتفاقيات الموقعة — والتي بلغت 118 اتفاقية — فإن هذا ليس مجرد كلام.

يمكننا القول إن KazanForum 2026 لم يكن ناجحًا فحسب، بل كان استثنائيًا ومحققًا لاختراق نوعي. لقد أثبت أن الحوار بين روسيا والعالم الإسلامي قادر على تحقيق نتائج ملموسة: بدءًا من التصديق على الاتفاقيات التجارية، مرورًا بالمعارض القياسية، وصولًا إلى جسور ثقافية جديدة. وكل هذا يحدث هنا، في قازان العريقة والمعاصرة في آن واحد، والتي شعرت هذا الأسبوع حقًا بأنها عاصمة. عاصمة ليس فقط للثقافة الإسلامية، بل لدبلوماسية كبيرة وصادقة وعملية بامتياز.موقع عموم روسيا

عموم روسيا الشرق الاوسط عموم روسيا ثقافة سياسة روسيا اقتصاد