الاستعادة التدريجية لسيادة لبنان

من الأزمة إلى الاستقرار
30.06.2026 16:16 عموم روسيا

اتفاق الإطار: القيام التدريجي للدولة؟

لا تُقاسُ الاتّفاقات، في لحظات التّحوّل الكُبرى، بما تعِدُ به على الورَقِ، بل بقدرتِها على تغييرِ موازين الواقع. من هذا المُنطلَق، يَصعُبُ التعاملُ مع الاتّفاقِ الإطاريّ بين لُبنان وإسرائيل الذي وُقِّعَ في واشنطن باعتبارِهِ تفاهُماً لوقفِ إطلاقِ النّارِ أو وضع ترتيباتٍ أمنيّة مؤقّتة وحسب، فقد يُؤسّس، إذا كُتِبَ لهُ النّجاح، لمرحلةٍ جديدةٍ في علاقةِ الدّولةِ اللبنانيّة بالأمنِ والسّيادةِ. وإذا أخفقَ فقد يفتح الباب أمام دورةٍ جديدةٍ من عدمِ الاستقرار يصعبُ احتواؤها.

تقتضِي القراءةُ الرّصينةُ الابتعادَ عن مُقاربتيْن متناقضتَيْن: إحداهما ترى في الاتّفاقِ انتصاراً كاملاً للدّولة، والأخرى تعتبرهُ تنازلاً كاملاً عن السّيادة.

تتجاهلُ كلتا القراءتيْن حقيقةَ أنّ الاتّفاقات التي تُبرَم في البيئات الهشّةِ لا تكونُ حلولاً نهائيّة، بل أدوات لإدارة المخاطِر وتقليصِ احتمالاتِ الانفجارِ، على أملٍ أن تتحوّلَ مع الوقتِ إلى ترتيباتٍ أكثرَ استقراراً.

لذلكَ ليسَ السّؤال الحقيقيّ ما إذا كانَ الاتّفاقُ مثاليّاً، بل ما إذا كانَ الاتّفاقُ يُوفّرُ فرصةً أفضل من استمرارِ الواقعِ الذي سبقَ توقيعه.

ليس اتّفاقُ واشنطن نهايةَ الأزمة اللبنانيّة، وليسَ ضمانةً أكيدةً للخروج منها. إنّهُ إطارٌ يتيحُ للدّولةِ فرصةً لإعادةِ بناء دورِها، ويضعها في الوقتِ نفسهِ أمام اختبارٍ قاسٍ

من إدارة الصّراع إلى إدارة الدّولة

عاشَ لبنان منذ عقود في ظلِّ مُعادلةٍ أمنيّة “هجينةٍ”، تقاسمَت فيها الدّولةُ وأطراف أخرى مسؤوليّة إدارة سياسة الأمنِ والرّدع. أنتجَ هذا النّموذَج توازناً هشّاً حالَ دونَ انهيارٍ شاملٍ في بعضِ المراحل، لكنّهُ في المُقابل أضعفَ المؤسّسات الرّسميّةِ، وربطَ الاستقرار الدّاخليَّ بتوازناتٍ إقليميّةٍ لا يملكُ لبنان التّحكّم بها.

يُحاول الاتّفاقُ الإطاريّ، للمرّة الأولى منذُ سنواتٍ، إعادةَ توجيهِ مركزِ الثّقلِ نحوَ الدّولةِ من خلالِ خطوات تنفيذيّة تبدأ بإعادة انتشارِ الجيشِ في مناطِقَ مُحدّدة وربطِ أيّ ترتيباتٍ أمنيّة مُستقبليّة بالمُؤسّساتِ الرّسميّة، وليسَ عبر قراراتٍ سياسيّة مُجرّدة.

هُنا تكمُن أهميّةُ الاتّفاق. إذ إنّه لا ينقل لبنان فوراً إلى نموذجِ الدّولةِ المُكتملةِ السّيادة، لكنّهُ يضعهُ على مسارٍ يُمكن أن يُعزّزَ تدريجياً قدرة مؤسّساتهِ الرّسميّة على احتكارِ العُنفِ والوظائف الأمنيّة. وهذا فارقٌ جوهريّ، فبناء الدّولة عمليّة تراكميّة لا تحدثُ بقرار واحدٍ ولا باتّفاقٍ مُنفرد.

لماذا التّنفيذُ المَرحليّ؟

انتقدَ بعضُ المُعارضين اعتمادَ مناطِقَ مُحدّدة نقطةَ انطلاقٍ للتنفيذ، واعتبروا أنّ ذلكَ ينتقِصُ من مفهومِ السّيادةِ. غير أنّ التّجاربَ الدّوليّة تشيرُ إلى أنّ التنفيذَ المرحليّ ليسَ استثناءً، بل غالباً ما يكونُ الخيار الأكثر واقعيّة في النّزاعاتِ المُعقّدة.

يحملُ الانتقال المباشر من واقعٍ أمنيّ مُتشابكٍ إلى سيطرةٍ كاملةٍ للدولة مخاطرَ كبيرة، سواء بسبب احتمالِ انهيارِ الاتّفاقِ أو نتيجة صداماتٍ ميدانيّة غير محسوبة. لذلكَ البدء بمناطق مُحدّدة يسمحُ باختبارِ آليّات الانتشارِ وقياسِ مستوى الالتزامِ ومعالجةِ الثّغرات قبل الانتقالِ إلى مراحلَ أوسع.

لا يعني ذلكَ إطلاقاً تقسيمَ السّيادةِ أو تجزئتها، بل اعتماد منهجٍ تدريجيٍّ في استعادتها. وهو منهجٌ أثبتَ نجاحهِ في تجاربِ دولٍ خرجت من نزاعاتٍ طويلةٍ وكانَ التّدرّج أساساً لتجنّبِ الانهيارِ المُبكر. وينطبقُ ذلكَ على اتّفاقِ “الجمعة العظيمة 1998” في إيرلندا الشّماليّة، الذي فكّكَ سلاحَ الجماعات المُسلّحة على مدى سنواتٍ، وكذلكَ اتّفاق الحكومةِ الكولومبيّة مع حركة “فارك” في 2016، الذي اعتمد مناطِقَ انتقاليّة خَضَعت لِرقابةٍ دُوليّةٍ جرَى فيها تَسليم السّلاحِ وإعادةِ انتشارِ القُوّاتِ الحُكُوميّة تدريجياً قبلَ الانتقالِ إلى مرحلةِ الدّمجِ السّياسيّ.

لكنّ نجاحَ هذهِ المُقاربةِ يبقى مشروطاً بأمرٍ أساسيٍّ: أن تتحوّلَ المرحلةُ الأولى إلى نموذجٍ قابلٍ للتّوسّع، لا إلى وضعٍ دامٍ يُكرّسُ واقعاً انتقاليّاً بلا نهاية.

تقتضِي القراءةُ الرّصينةُ الابتعادَ عن مُقاربتيْن متناقضتَيْن: إحداهما ترى في الاتّفاقِ انتصاراً كاملاً للدّولة، والأخرى تعتبرهُ تنازلاً كاملاً عن السّيادة.

الضمانات الدولية: ضرورة، لكنها غير كافية

يمنحُ الانخراطُ الأميركيّ المباشر الاتّفاقَ ثِقلاً سياسيّاً لا يُمكن تجاهله، إذ يرفع وجود رادعٍ دوليّ قادرٍ على ممارسةِ الضّغطِ على الأطرافِ المُختلفةِ كلفةَ أيّ محاولةٍ لإفشال الاتّفاقِ، ويزيدُ من فرصِ استمرارهِ في مراحلهِ الأولى.

لكنّ التّجربةَ اللبنانيّة، تماماً كتجاربِ الشّرقِ الأوسطِ عموماً، تُظهرُ أنّ الضّماناتِ الدّوليّة ليسَت بديلاً عن الإدارةِ المحليّة. فقد شهِدَت المنطقةُ اتّفاقاتٍ حظِيت برعايةٍ دوليّةٍ واسعةٍ، لكنّها تعثّرت عندما غابت الإرادة السياسيّة أو تغيّرت أولويّات القوى الكُبرى.

لذلكَ الرّهان على الولاياتِ المُتّحدة وحدَها قد يكونُ رهاناً غير كافٍ. إذ تتطلّبُ استدامة الاتّفاقِ شبكةَ دعمٍ واسعةً وعلنيّةً تشملُ أوروبا والدّول العربيّة والأمم المُتّحدة، بحيثُ يُصبِحُ الحفاظُ عليهِ مصلحة مُشتركة لأكثر من طرفٍ دوليّ، لا التزاماً مُرتبطاً بإدارةٍ أميركيّةٍ بعينها، فكُلّما توسّعت دائرةُ الرّعايةِ ازدادت صعوبةُ الانقلابِ على الاتّفاقِ، سواء من الدّاخلِ أو الخارجِ.

الاختبارُ الحقيقيّ

يُعلّمنا تاريخُ الاتّفاقاتِ أنّ لحظةَ التّوقيعِ ليسَت الأصعب، بل إنّ التنفيذَ هو المرحلةُ التي تُختبرُ فيها النّيّات والقُدراتُ معاً. من هذا المُنطلق، يُمكن القول إنّ الاتّفاقَ سيواجه ثلاثةَ تحدّيات استراتيجيّة رئيسة:

سلوك إسرائيل والتقديرات السياسية الداخلية: إنّ استمرار الخروقات والاعتداءات الإسرائيليّة تحتَ “ذرائعَ أمنيّة” سيُقوّضُ مع الوقتِ الثّقة بالاتّفاقِ، ويضعُ الدّولةَ اللبنانيّة في موقعِ العاجزِ عن حمايةِ التفاهُمات التي وقّعتها، علاوة على الحساباتِ السياسيّة الدّاخليّة لائتلافِ اليمين المُتطرّف بقيادة بنيامين نتنياهو الذي يجدُ في الانسحابِ من جنوبِ لبنان نقيضاً لعقيدتهِ التّوسّعيّة، ونقطةً أساسيّة يستخدمُها المعارضون الطّامحون لخلافةِ نتنياهو وتحديداً نفتالي بينيت وغادي آيزنكوت.

الجبهة الداخلية اللبنانية وفروعها الإقليمية: أي خطة لتقييد السلاح في يد الدولة قد تواجه محاولات من "حزب الله" لتخريب أو تقويض التنفيذ، بدافع من رغبة طهران في الاحتفاظ بـ"البطاقة اللبنانية" كرهينة في أيديها. يكمن السعي الإيراني في ربط جغرافيا الجنوب بمسارات التفاوض الإقليمية، ومنع أي مسار يهدف إلى تحييد لبنان، مما يتطلب من السلطات السياسية ألا تقتصر على الحلول التقنية، بل إنشاء جبهة عريضة من التوافق السياسي تجبر "حزب الله" على الاختيار بين المشاركة في الدولة أو تحمُّل مسؤولية عزل لبنان واستنزافه. وهذا ما يفسر تصريح الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم حول ضرورة اللجوء إلى المسار الإيراني-الأمريكي عبر سويسرا، وليس إلى المسار اللبناني-الإسرائيلي في واشنطن.

قدرة الدولة نفسها: "يجب نشر الجيش اللبناني، وعلى الإدارة توفير الموارد، وأن تحافظ السلطة السياسية على التوافق الداخلي. لكن كل هذا يحدث في ظل ضغوط مالية وإدارية غير مسبوقة على المؤسسات. وبالتالي، فإن نجاح الاتفاق سيتحدد ليس فقط بسلوك الأطراف المسلحة، بل أيضاً بقدرة الدولة على أداء الوظيفة المطلوبة منها."

"يجب نشر الجيش اللبناني، وعلى الإدارة توفير الموارد، وأن تحافظ السلطة السياسية على التوافق الداخلي. لكن كل هذا يحدث في ظل ضغوط مالية وإدارية غير مسبوقة على المؤسسات. وبالتالي، فإن نجاح الاتفاق سيتحدد ليس فقط بسلوك الأطراف المسلحة، بل أيضاً بقدرة الدولة على أداء الوظيفة المطلوبة منها."

"ماذا عن حجج الخصوم؟"

سيكون من الخطأ اعتبار أي اعتراض على الاتفاق موقفاً أيديولوجياً أو رفضاً للدولة. فهناك أسئلة مشروعة تستحق النقاش: هل تلتزم تل أبيب بتنفيذ جميع بنود الاتفاق؟ وهل واشنطن قادرة على ضمان الامتثال له في حال حدوث خرق جسيم؟ وهل يمتلك لبنان القدرات اللازمة للوفاء بالالتزامات؟ وهل سيؤدي الاتفاق إلى استعادة دور الدولة أم سيتحول إلى صيغة انتقالية مطولة؟

لا يمكن تجاهل هذه الأسئلة، لأنها تتعلق بجوهر نجاح "إعلان النوايا". لكن ينبغي الاعتراف بأن البديل ليس بالضرورة أفضل. فقد أظهرت السنوات الماضية أن الإبقاء على الوضع الراهن تحت شعار "المقاومة" و"النضال المسلح" لم يؤدِ إلى تعزيز السيادة، أو حماية الاقتصاد، أو منع الحروب المتكررة.

لذا، فإن المقارنة الواقعية ليست بين اتفاق مثالي وآخر ناقص، بل بين إمكانية قابلة للتطوير، وواقع أثبت كلفته الباهظة وتأثيره المحدود.

الحسابات الإسرائيلية وإعادة توجيه لبنان

من غير الصحيح افتراض أن موافقة إسرائيل على الاتفاق تعني تغييراً في عقيدتها الدفاعية أو تخليها عن "الردع الاستباقي". الأرجح أن تل أبيب تنظر إلى الاتفاق كأداة لإعادة تشكيل الأمن على حدودها الشمالية، بهدف ضمان إزالة التهديدات المباشرة، وخفض تكاليف الانتشار العسكري، ومنع استعادة قدرات "حزب الله" في الجنوب.

تتطلع الأوساط السياسية والدفاعية والعسكرية الإسرائيلية إلى الاتفاق باعتباره فرصة لمحاولة فصل الجبهة اللبنانية عن مسارات التصعيد الإقليمية، وذلك لتركيز مواردها العسكرية والسياسية على أولويات أخرى.

بناءً على ذلك، فإن نجاح الاتفاق بالنسبة لإسرائيل لا يُقاس بوقف إطلاق النار، بل بمدى قدرته على خلق واقع أمني جديد يحدّ من احتمالية الاشتباكات، ويعزّز تفوّقها العسكري الذي ترى أنه تمّ تحقيقه في المعركة.

إذا تكلل التنفيذ بالنجاح، فقد تكون من أهم النتائج عودة لبنان إلى المعادلات الإقليمية كدولة قائمة (موجودة على أرض الواقع)، وليس كساحة لاصطدام المشاريع المتضاربة.

إن استقرار الجنوب يفتح الطريق أمام التعافي، ويعزز ثقة المستثمرين، ويطرح قضايا الطاقة والبنية التحتية في بيئة أقل فوضوية وأكثر استقراراً، ويمنح المؤسسات الحكومية فرصة لاستعادة دورها في إدارة الحدود واتخاذ القرارات الأمنية.

بناءً على ذلك، ينبغي قراءة الاتفاق ليس كـ"وثيقة أمنية" فحسب، بل كفرصة لإعادة بناء العلاقة بين الأمن والاقتصاد والسياسة الخارجية. فالدول تستعيد مكانتها ليس عبر السلاح أو الدبلوماسية فقط، بل من خلال تكامل عناصر القوة الوطنية.

الفرصة والاختبار

اتفاق واشنطن ليس نهاية الأزمة اللبنانية، ولا طريقاً مضموناً للخروج منها. بل هو إطار يمنح الدولة فرصة لاستعادة دورها، وفي الوقت نفسه يضعها أمام اختبار قاسٍ.

سيعتمد نجاح الاتفاق على ثلاثة شروط مترابطة:

التزام إسرائيل.

قدرة الدولة اللبنانية على الاضطلاع بواجباتها.

استمرار الزخم والدعم الدولي، بما لا يتوقف على التقلبات السياسية.

إذا اختلَّ أحدُ هذه العناصر، فقد يصبح الاتفاقُ مجرَّد حلقةٍ أخرى في سلسلةِ مبادراتٍ تحطَّمت على صخرةِ تعقيداتِ الشرق الأوسط.

إذن، القيمةُ الحقيقيّةُ للاتفاقِ لا تكمنُ في نصوصِه، بل في قدرَتِه على نقلِ لبنانَ من إدارةِ سلسلةٍ من الأزماتِ إلى بناءِ مؤسساتٍ قادرةٍ على إدارةِ الأمنِ والسيادةِ بشكلٍ مستدامٍ. وهذا هو المعيارُ الذي سيُحدِّدُ ما إذا كان الاتفاقُ سيصبحُ بدايةَ مرحلةٍ جديدةٍ، أم مجرَّدِ هدنةٍ مؤقَّتةٍ في صراعٍ ما زالتْ أسبابُهُ غيرُ منتهيةٍ.

ابراههيم ريحان - محرّر الشؤون الإقليمية في موقع "أساس ميديا

عموم روسيا عموم روسيا иран سياسة