عالم الآثار الذي كشف أسرار الإمارات

عيسى يوسف: حارس التاريخ
24.05.2026 21:00 Регион: العالم العربي عموم روسيا السياحة

حوار مع حارس الذاكرة الأثرية للإمارات: قراءة في عمق التاريخ الإنساني من جبل الفاية إلى دير الصير بني ياس

في رمال الإمارات الذهبية، حيث تخفي ثراه أسرار الزمن تحت طبقات العصور، يقف رجل جعل من مهمته كشف النقاب عن الوجوه المفقودة للتاريخ. إنه عيسى يوسف، مدير إدارة الآثار في هيئة الشارقة للآثار، ورئيس لجنة التراث العالمي لليونسكو للمناظر الثقافية في المنطقة المركزية. منذ طفولته التي قضاها في الشارقة عام 1965، وهو يحمل شغفًا بالأرض وتاريخها، محولًا هذا الولع إلى رسالة وطنية وإنسانية استمرت لأكثر من ثلاثة عقود.

عبر الرمال المتحركة والمواقع الأثرية المتناثرة، سار هذا الحارس الأمين للذاكرة الإماراتية، باحثًا في الصخور والقطع الأثرية عن قصص لم تُروَ بعد. في هذا الحوار الذي امتد لساعة ونصف الساعة، يفتح لنا عيسى يوسف نوافذ على عوالم فلسفية وتاريخية وعلمية، آخذًا بنا في رحلة من العصر الحجري حتى العصر الإسلامي، ومن إدارة التراث المرتبطة بالتنمية المستدامة إلى طموحات اليونسكو.

يبدأ عيسى يوسف حديثه من أقدم المعالم الزمنية، مشيرًا إلى موقع جبل الفاية الواقع في المنطقة المركزية من إمارة الشارقة، بالقرب من مليحة، بين ساحل الخليج العربي وجبال الحجر. ويوضح أن هذا الموقع يُعد من أهم معالم العصر الحجري القديم في دولة الإمارات، حيث يعود أقدم تاريخ للاستيطان فيه إلى حوالي 125 ألف سنة، مما يجعله أقدم دليل على وجود الإنسان في جنوب شبه الجزيرة العربية.

كشفت اكتشافات عام 2022 عن أقدم فترة للنشاط البشري في الموقع، والتي يعود تاريخها إلى ما بين 210 و120 ألف سنة، مما يجعل جبل الفاية دليلاً رئيسياً على الهجرة المبكرة للإنسان الحديث من أفريقيا عبر المسار الجنوبي لشبه الجزيرة العربية. ويشير يوسف إلى أن الأدوات الحجرية التي عُثر عليها، ولا سيما "المجمع C" المكتشف في الموقع FAY-NE1، تُظهر تشابهاً قوياً مع أدوات الفترة نفسها في شرق أفريقيا، مما دفع الباحثين إلى اقتراح نظرية "المسار الجنوبي" للهجرة.

الأمر الأكثر إدهاشاً، كما يؤكد، هو أن هذه المراحل الأربع المختلفة للاستيطان قد حدثت في ظل ظروف مناخية متنوعة، شملت أيضاً فترات جفاف، مما يغير فهمنا لقدرة أسلافنا على البقاء والتكيف مع الظروف البيئية القاسية. وقد استحق جبل الفاية مكانه في قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2025، فيما تُعرض اكتشافاته الأثرية في مركز مليحة للآثار.

من جبل الفاية، ننتقل مع عيسى يوسف إلى موقع جبل البحيص في القطاع الأوسط من إمارة الشارقة، بالقرب من منطقة مدام، والذي يرتفع حوالي 340 متراً. يصف يوسف هذا الموقع بأنه شاهد على تاريخ الاستيطان البشري عبر العصور، حيث كشفت الحفريات الأثرية عن مقبرة واسعة استخدمت لفترة طويلة وفي فترات متعاقبة مختلفة. ويمثل العصر الحجري الحديث أقدم مرحلة موثقة للوجود البشري في هذا الموقع، حيث تعود أقدم المدافن التي تم تأريخها بالكربون المشع إلى الفترة بين 5000 و 4300 سنة قبل الميلاد، مما يجعله أقدم مدفن داخلي تم تأريخه بالكربون المشع في دولة الإمارات العربية المتحدة.

في الجزء الجنائزي المعروف بـ BHS 18، عُثر على مئات الهياكل العظمية، بعضها دُفن مع حلي شخصية من أصداف وأحجار ولآلئ المحار وخرز من العقيق. وتشير الأدلة إلى أن السكان كانوا من الرعاة الرحّل، الذين كانوا ينتقلون موسمياً بين الساحل وجبال الحجر، مستخدمين هذا الموقع لدفن موتاهم. ولم يقتصر الاستيطان على العصر الحجري الحديث، بل استمر في العصر البرونزي، حيث ظهرت العديد من المدافن والمقابر الدائرية ذات الهندسة المتقدمة، بالإضافة إلى دلائل على علاقات تجارية بعيدة مع بلاد الرافدين ووادي السند؛ ثم في العصر الحديدي، حيث استُخدمت الكهوف والمآوي الصخرية للدفن مع أوانٍ فخارية وأسلحة برونزية مزخرفة؛ وصولاً إلى العصر الهلنستي الذي ترك أوعيته الزجاجية المميزة. واليوم، تم تحويل المنطقة المحيطة بجبل البحيص إلى محمية طبيعية وحديقة جيولوجية، تعرض التاريخ الجيولوجي للمنطقة الذي يمتد لنحو 93 مليون سنة.

يتوقف الباحث عند حضارة أم النار التي تعود إلى الفترة بين 2600 و 2000 سنة قبل الميلاد، والتي تُعتبر واحدة من أبرز ملامح العصر البرونزي في جنوب شرق شبه الجزيرة العربية. يوضح عيسى يوسف أن هذه الحضارة تركت معالم مهمة في إمارة الشارقة، لا سيما في منطقة مليحة، حيث يوجد مقبرة أم النار التي بنيت حوالي عام 2300 قبل الميلاد. وتُظهر المكتشفات في مليحة أن سكان هذه المنطقة كانوا جزءاً من شبكة تجارية واسعة ربطت حضارة وادي السند ببلاد الرافدين، وكانوا معروفين في النصوص المسمارية باسم "مجان" أو "ماكان". واشتهروا بتصدير النحاس وحجر الديوريت. وتميزت هذه الحضارة بالمقابر الدائرية المبنية بإتقان من الحجر المنحوت، والتي احتوت على عدة حجرات للدفن الجماعي، بالإضافة إلى الأبراج التي يُعتقد أنها كانت لأغراض دفاعية أو للمراقبة، وكثيراً ما كانت تحيط بمصادر المياه.

يقودنا عيسى يوسف بعد ذلك إلى فترتي حضارة وادي السوق والعصر الحديدي، اللتين تمثلان محطتين بارزتين في تطور المجتمعات البشرية في المنطقة الداخلية والوسطى من إمارة الشارقة. تمتد حضارة وادي السوق من حوالي 2000 إلى 1300 سنة قبل الميلاد، وتتميز بالانتقال من الساحل إلى الداخل، واستئناس الجمل، وظهور الزراعة المروية (القمح، الشعير، التمور). وفي وادي الحلو بالشارقة، عُثر على أقدم أفران صهر النحاس في الإمارات، والتي تعود إلى أواخر الألفية الرابعة قبل الميلاد. أما العصر الحديدي، وخاصة مرحلته الثانية بين 1000 و 600 سنة قبل الميلاد، فيمثل قفزة حضارية كبيرة، تجلت في ظهور مستوطنات كبيرة ومنظمة مثل المويجع والثقيبة، وتطوير أنظمة ري معقدة "الأفلاج"، وازدهار التجارة بعيدة المدى، وإنتاج النحاس.

يصف يوسف موقع المويجع بأنه مركز إداري وتجاري مهم، محاط بسور، ويضم مباني سكنية وإدارية وقاعات ذات أعمدة. وقد دمره حريق حوالي عام 600 قبل الميلاد، وعُثر فيه على أدوات نحاسية وأسلحة حديدية مستوردة ومئات القطع البرونزية. أما موقع الثقيبة الواقع جنوب مدينة الذيد، فيحتوي على بيوت مصطفة في صفوف وأسوار دفاعية، ويُظهر تطوراً كبيراً في النظام الري المرتبط به.

يُفرد عيسى يوسف جزءاً مهماً من حديثه لنظام "الفلج"، الذي يعتبره أحد الإنجازات البارزة في العصر الحديدي. ويشرح أن الفلج هو قناة مائية مصممة لنقل المياه من مصادرها الطبيعية إلى القرى والواحات الزراعية لمسافات قد تصل إلى عدة كيلومترات. إنه نظام هندسي دقيق لم يوفر فقط المياه للري، بل زود بالمياه العذبة للاستخدام اليومي، مما جعل الحياة في المناطق القاحلة مستقرة وممكنة. ويصنف الأفلاج إلى ثلاثة أنواع رئيسية: فلج داودي (وهو الذي يستمد المياه الجوفية من الطبقات العميقة عبر قنوات طويلة محفورة تحت الأرض)، وفلج عيني (يعتمد على الينابيع الطبيعية)، وفلج جيلي (يجمع مياه الأمطار والسيول الموسمية). يوضح يوسف أن نظام الفلج غيّر نمط الحياة من الاعتماد على التنقل الموسمي إلى الاستقرار، من خلال توفير إمدادات مائية ثابتة، مما أتاح زراعة مستدامة، وأدى إلى ازدهار زراعة النخيل والحبوب والخضروات، وخلق مجتمعات متماسكة نشأت على طول مسارات الأفلاج.

يضيف أن الفلج لم يكن مجرد مشروع هندسي، بل كان أيضاً نظاماً مجتمعياً وقانونياً عرفياً متطوراً: حيث يُوزع حق الري المعروف باسم "حق" بين المزارعين باستخدام وحدات زمنية مثل "البادة" و"الربيع" و"القدم"، وتتولى إدارته شخصية معينة تسمى "وكيل الفلج"، يساعده فريق للصيانة والتوزيع العادل.

ثم ينقلنا السفر إلى مدينة مليحة الأثرية الشهيرة عالمياً، التي شهدت ازدهارها بين القرن الثالث قبل الميلاد والقرن الثالث الميلادي، حيث كانت عاصمة أو المركز الرئيسي لمملكة عربية مهمة في جنوب شرق شبه الجزيرة العربية. يؤكد عيسى يوسف أن مليحة كانت عقدة حيوية في شبكة التجارة القديمة، فقد عُثر فيها على فخار من إيران والهند، وأوانٍ زجاجية من البحر المتوسط، وعملات معدنية سُكت على غرار عملات الإسكندر الأكبر. ويُعد "كنز مليحة" البرونزي الذي اكتشف عام 2011 خير دليل على التزاوج الثقافي في هذا الموقع، حيث تجمع تمثال رأس الثور بوضوح بين التأثير الهلنستي في النحت الواقعي والتشريح الدقيق، وبين الطابع الشرقي المحلي في الزخارف كخصلة الصوف (الغرّة) على قمة الرأس والحلقات حول القرنين.

 تُؤكد النقوش والكتابات الآرامية التي عُثر عليها على مكانة مليحة كعاصمة لمملكة، وتُظهر مدى انفتاحها وارتباطها بالعالم الخارجي. وتشير الدلائل إلى أن المستوطنة تعرضت لهجوم عنيف أدى إلى تدميرها وهجرها في أوائل القرن الثالث الميلادي، بالتزامن مع صعود الإمبراطورية الساسانية التي سعت إلى السيطرة المباشرة على طرق شبه الجزيرة. واليوم، تشكل مليحة جزءاً من "المشهد الثقافي لمنطقة الوسطى" في الشارقة، وهو المشروع الذي أدرجته دولة الإمارات في القائمة المؤقتة للتراث العالمي لليونسكو عام 2023.

من شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام، ينقلنا عيسى يوسف إلى شاهد فريد على الوجود المسيحي المبكر في المنطقة، حيث يصف دير وكنيسة سير بني ياس في إمارة أبوظبي بأنه أقدم موقع أثري مسيحي يتم اكتشافه في دولة الإمارات العربية المتحدة. يعود تاريخ بناء الدير إلى القرنين السابع والثامن الميلاديين (حوالي 600-750 م)، واستمر في العمل لنحو 150 عاماً بعد دخول الإسلام إلى المنطقة، ويُعتقد أنه هُجر سلمياً حوالي عام 750 م. تبلغ مساحة مجمع الدير حوالي 70 متراً مربعاً، ويُظهر تخطيطاً متكاملاً، وقد بُني من مواد محلية مثل الحجر الجيري والطوف البحري، وكان مغطى بجص مزخرف.

يتكون الموقع من كنيسة مقسمة إلى صحن مركزي وممر جانبي وهيكل في الجزء الشرقي؛ وخلوات صغيرة للرهبان؛ وبرج مرتفع يُرجح أنه كان يُستخدم لدعوة المصلين؛ ومنطقة خدمات تشمل مطبخاً ومكاناً لخبز خبز القربان وآباراً للمياه؛ بالإضافة إلى منازل ذات فناء داخلي تم اكتشافها مؤخراً. ويشير يوسف إلى أنه في أغسطس 2025، أُعلن عن اكتشاف صليب جبسي نادر خلال أول حفريات واسعة في الموقع منذ 30 عاماً. وهو عبارة عن لوح جبسي بحجم 27×17 سم تقريباً، يحمل نقشاً لصليب، ويعتقد الباحثون أنه كان يُستخدم للتأمل الروحي. ويُربط أسلوب الصليب المكتشف الموقع بكنيسة المشرق النسطورية القادمة من منطقة العراق الحالي، مما يؤكد وجود علاقات تجارية وثقافية واسعة امتدت بالمجتمع عبر الخليج.

ينظر عيسى يوسف إلى الانتقال إلى الإسلام والقرون الإسلامية المبكرة في منطقة الشارقة، مشيراً إلى أن الإسلام دخل منطقة الخليج العربي في وقت مبكر جداً. فبعد وفاة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، أصبحت منطقة دبا (الواقعة على الساحل الشرقي لدولة الإمارات العربية المتحدة اليوم) مسرحاً لإحدى المعارك الهامة في حروب الردة. أدى انتصار المسلمين في هذه المعركة إلى ترسيخ الإسلام في شبه الجزيرة العربية. وتظهر الاكتشافات الأثرية في موقع مليحة أنه تعرض لهجوم عنيف وتدهور قبل ظهور الإسلام بنحو 300-400 سنة، مما يعكس حالة المنطقة قبل الفتح الإسلامي.

أما القرون الإسلامية الأولى، فتشهد الأدلة الأثرية على استمرارية الحياة والثقافة الإسلامية. وقد تجلى ذلك في العصر العباسي المبكر، حيث تم اكتشاف مجموعة من الدراهم الفضية العباسية في الشارقة يعود تاريخها بين عامي 132 و 218 هـ (750-833 م)، مما يشير إلى نشاط اقتصادي وتجاري مزدهر. وفي سبتمبر 2021، عثرت بعثة هيئة الشارقة للآثار في المنطقة الوسطى من الإمارة على كنز يضم دراهم فضية تحمل أسماء خمسة خلفاء عباسيين، من بينهم الخليفتان محمد الأمين وعبد الله المأمون. تعود هذه العملات إلى الفترة بين عامي 154 و 199 هـ، ويظهر على بعضها صورة المأمون ونقش "ولي العهد"، مما يشير إلى أنها سُكت في فترة ولايته للعهد أثناء حياة أخيه الأمين.

في الجزء الختامي من الحوار، ينتقل عيسى يوسف إلى مناقشة إدارة التراث الثقافي والمشهد الثقافي وعلاقتهما بالتنمية المستدامة. ويوضح أن إدارة التراث الثقافي هي علم وممارسة مهنية تهدف إلى تحديد وتفسير وصيانة والحفاظ على المواقع الثقافية والتراث المادي وغير المادي.

فهو يلعب دوراً محورياً في خلق فرص اقتصادية، مثل السياحة المستدامة، وتعزيز التماسك الاجتماعي والهوية، بالإضافة إلى المساهمة في الحفاظ على البيئة من خلال الممارسات المستدامة التقليدية. أما المشهد الثقافي، فيعرفه بأنه "أعمال مشتركة بين الطبيعة والإنسان"، تعكس العلاقات الطويلة والوثيقة بين المجتمعات وبيئتها الطبيعية.

إنه يجسد أساليب استخدام الأراضي التقليدية التي تدعم التنوع البيولوجي، ويقدم نماذج مستدامة للإدارة الحديثة للأراضي. وقد شهد هذا المجال تطوراً نوعياً من "إنقاذ الآثار" لحماية المواقع من الدمار، إلى اعتراف أوسع بالتراث غير المادي والمجتمعات المحلية.

في عام 1992، اعترفت اتفاقية التراث العالمي رسمياً بالمشاهد الثقافية كفئة محمية. ويؤكد يوسف أن إدراج موقع في قائمة اليونسكو يستلزم التزامات جدية بإدارته بشكل نشط وتشاركي وفعال، ويهدف إلى جعل التراث محركاً ديناميكياً للتنمية المحلية المستدامة، وضمان الحفاظ عليه للأجيال القادمة.

ويشير إلى أن المجال يتجه نحو استخدام التكنولوجيا الرقمية للتوثيق والتعريف، وزيادة قدرة التراث على الصمود في مواجهة تحديات تغير المناخ، واعتماد "تقييم الأثر التراثي" كأداة أساسية في التخطيط الحضاري المتكامل. يختتم عيسى يوسف حديثه بالتأكيد على أن كل قطعة أثرية نعثر عليها هي جسر بين الماضي والحاضر، تذكرنا بأن أرض الإمارات كانت دائماً موطناً لمجتمعات منظمة ذات اقتصاد مزدهر وعلاقات دولية، وأن هذا التراث هو أساس نهضتنا الحديثة.

عموم روسيا عموم روسيا ثقافة