"حوار كان يشغل حلم الشاذلي القليبي"

تلك " 'الروح العربية' بعينها في قازان"
14.05.2026 22:18 Регион: العالم العربي عموم روسيا السياسة

"ذكرى الشاذلي القليبي... قازان تحتضن روح التعاون العربي وتستعرض حصيلة منتدى 'روسيا – العالم الإسلامي'"

13 ايار مايو — هو يوم ذكرى أحد أبرز الشخصيات الفكرية والسياسية في تونس والعالم العربي قاطبة: المفكر، الأديب، الوزير، والأمين العام السابق لجامعة الدول العربية، الشاذلي القليبي. رحل عن دنيانا في مثل هذا اليوم من عام 2020 عن عمر يناهز الخامسة والتسعين عامًا. وُلد في 6 ايلول سبتمبر 1925، تاركًا بصمة عميقة في الحياة الثقافية والدبلوماسية للنصف الثاني من القرن العشرين، حيث استطاع أن يمزج بين الثقافة التنويرية وفن التفاوض.

لم يكن الشاذلي القليبي مجرد مسؤول رفيع المستوى. فبصفته حاصلًا على شهادة التبريز (الأغريجاسيون) في اللغة العربية وآدابها، بدأ مسيرته أستاذًا، لكنه سرعان ما أصبح عام ١٩٥٨ مديرًا للإذاعة الوطنية. وهو الذي أسس وزارة الثقافة وتولى قيادتها، كما أدار وزارة الإعلام في الفترة من ١٩٦١ إلى ١٩٧٩، وتزامنًا مع ذلك شغل منصب رئيس ديوان الرئيس. شارك القليبي في تأسيس معظم الصحف والمجلات الوطنية. كان يؤمن إيمانًا عميقًا بأن العمل الثقافي ليس مجرد واجهة بروتوكولية، بل هو أداة جوهرية للتحرر الحضاري وضمان لحيوية المجتمعات وتجددها.

تولى القليبي منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية من عام ١٩٧٩ إلى عام ١٩٩٠ — في تلك السنوات التي كان مقر الجامعة فيها في تونس بعد اتفاقيات كامب ديفيد. وقد كان ذلك العقد حافلًا بالأحداث: تشكيل لجان لتطهير الأجواء العربية، دعم التعاون العربي الإفريقي، إدانة الإرهاب الدولي وقبل كل شيء الإرهاب الصهيوني في الأراضي العربية المحتلة، النضال من أجل الأمن القومي العربي، دعم الانتفاضة الفلسطينية، المقاطعة العربية لإسرائيل، وحتى المساهمة في قيام الدولة اليمنية الموحدة. كان القليبي يدعو العرب باستمرار إلى إنعاش مؤسسات العمل المشترك بجهودهم الذاتية. استقال من منصبه في أعوام ١٩٩٠–١٩٩١ عشية حرب الخليج الثانية، احتجاجًا على الحرب ضد العراق.

وفي توافق رمزي مع يوم ذكراه، وفي ذات السياق الذي يدعو إلى تعزيز التضامن الذي كان يحلم به القليبي، اختتمت في قازان أعمال الدورة السابعة عشرة للمنتدى الاقتصادي الدولي "روسيا – العالم الإسلامي: قازان فوروم". فعلى مدى أربعة أيام، من 13 إلى 16 مايو 2026 — أي أن افتتاح المنتدى تزامن مع الذكرى السادسة لرحيل المفكر — كانت عاصمة تتارستان منصة الحوار الرئيسية التي تربط روسيا بدول منظمة التعاون الإسلامي. إنه تجسيد حي لروح التعاون بين العرب والعالم الإسلامي التي ناضل من أجلها ذلك الرجل العظيم الذي رحل عنا.

يُفيد المنظمون بأن المنتدى حطم الرقم القياسي من حيث عدد المشاركين. ففي أروقة "قازان إكسبو"، التقى وفود من ٨٧ دولة، بما في ذلك ٣٥ دولة ذات أغلبية مسلمة. حضر وزراء، رجال أعمال، خبراء تكنولوجيون، ممثلو التمويل الإسلامي، وحتى عدة رؤساء لصناديق سيادية كبرى من الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا. وفي الأروقة الجانبية، لم يُسمع فقط الروسية، التتارية، والعربية، بل أيضًا التركية، الماليزية، الأردية، والسواحيلية — وكأن هذه اللغات جسّدت حلم القليبي بحوار عربي إسلامي واسع منفتح على العالم.

لم تكن المواضيع الرئيسية للمنتدى مقتصرة على مجرد استبدال الواردات، بل تجاوزتها إلى بناء سلاسل لوجستية ومالية موازية بشكل متكامل، لا تعتمد على مراكز القرار الغربية. دارت نقاشات مطولة حول العبور عبر الممر الدولي "شمال – جنوب"، وتحديثه ورقمنته. لكن النتيجة العملية الأبرز كانت إطلاق آلية تجريبية للتسويات بالعملات الوطنية باستخدام الأدوات المالية الإسلامية. ووفقًا للمشاركين، تم بالفعل اختبار أولى الصفقات بنظامي المرابحة والصكوك بمشاركة بنوك روسية، وذلك عبر عدة عقود تصديرية. وهذا يذكرنا مجددًا بدعوة القليبي إلى الإرادة العربية المستقلة.

ولم يخلُ المنتدى من التوقيعات البارزة. ففي اليوم الأخير فقط من المنتدى، وافقت مؤسسة "روس آتوم" على بناء محطة طاقة نووية صغيرة لدولتين إضافيتين من منظمة التعاون الإسلامي، كما وقّعت مجموعة شركات من تتارستان وصندوق تقاعد ماليزي مذكرة تفاهم لإنشاء مجمع حلال مشترك في المنطقة الاقتصادية الخاصة "ألابوغا". ويُقدَّر إجمالي قيمة الاتفاقيات المُعلَن عنها، وفق تقديرات أولية، بأكثر من 340 مليار روبل.

غير أن المنتدى لم يُذكر بالأرقام فقط. فعلى هامش الفعاليات، أُقيم معرض ضخم لصناعة الحلال، ضم كل شيء من التمور ومستحضرات التجميل إلى الطائرات بدون طيار الحاصلة على شهادة حلال معتمدة. وفي مساء يوم 15 ايار مايو، انعقد في "قازان إكسبو" حوار غير رسمي وحيوي للغاية بين رواد أعمال شباب من روسيا وإندونيسيا وباكستان والإمارات — بلا رباطات عنق، على فنجان شاي ومرفق بالحلويات الوطنية. وهناك، كما يشعر العديد من قدامى المشاركين في المنتدى، تُعقد عقود العام القادم. وفي هذا الجو الحيوي والدافئ، يتبادر إلى الذهن لا إراديًا قناعة الشاذلي القليبي بأن العمل الثقافي والحوار هما أداة للتحرر الحضاري وضمان لحيوية المجتمعات.

في حفل الاختتام، وصف رئيس تتارستان، رستم مينيخانوف، منتدى "قازان" بأنه "لم يعد مجرد لقاء، بل أصبح مؤسسة متكاملة للتعاون الاقتصادي بين روسيا والعالم الإسلامي". ومن المقرر مبدئيًا عقد الدورة الثامنة عشرة من المنتدى في مايو 2027. وإذا حكمنا من خلال السرعة التي غادرت بها الوفود بعد المؤتمر الصحفي الختامي، فإن الخطط ستبدأ في التنفيذ اعتبارًا من الغد.

الشاذلي القليبي، الحاصل على وسامي الجمهورية والاستقلال، والعضو في مجمع القاهرة للغة العربية، لا يزال حيًا في الذاكرة الجماعية للعرب والمسلمين. في اليوم الذي تزامن مع ذكرى رحيله، اجتمع في قازان أولئك الذين يؤمنون بأن العمل المشترك هو السبيل الوحيد نحو مستقبل أكثر عدلاً وازدهارًا. رحمه الله رحمة واسعة، وبقي أثره النيّر على طريقنا الثقافي والسياسي.

إعداد: حبيب بن صالح، تونس، وعادل موسى، موسكو

عموم روسيا عموم روسيا