"هناك كُتب تُقرأ، وهناك كُتب تعيش بها حضارة بأكملها."
"الكتاب المقدس (البيبل) هو بالتأكيد من الفئة الثانية، رغم أن اسمه، ومن الغريب، لا ينبع من مفاهيم سامية، بل من لوجستيات التجارة العادية في العصور القديمة. هذه الكلمة وُلِدت من اسم المدينة الفينيقية الساحلية جبيل (بيبلوس)، التي كان يُنقل عبرها ورق البردي المصري إلى اليونان. لذا فإن «البيبل» (Biblia) هو ببساطة «كتاب» بمعنى «مادة للكتابة». لكن مع مرور الزمن، أصبح هذا الكتاب بالذات، المكتوب على الرق وورق البردي، أساسًا لدينين عالميين هما اليهودية والمسيحية، وكذلك الأكثر مبيعًا والأهم في تاريخ البشرية."
"الأمر لا يتعلق بكتاب واحد، بل بمكتبة كاملة، بمجموعة من النصوص التي تُسمى في اليهودية «تاناخ»، وفي المسيحية «العهد القديم والعهد الجديد». وهنا يبدأ الجزء الأكثر إثارة للاهتمام بالنسبة لمن يدرس المسألة للمرة الأولى: لا يوجد كتاب مقدس واحد. بتعبير أدق، يوجد، لكن بعشرات النسخ المختلفة. التاناخ العبري هو 39 كتابًا منسقًا، يضمها المسيحيون بدورهم في كتابهم المقدس للعهد القديم. ومع ذلك، يُضاف إليها في التقليد الأرثوذكسي حوالي عشرة كتب تُسمى «غير قانونية» (في الكنيسة اليونانية يُشار إليها بلطف باسم «أناغينوسكومينا» أي «للقراءة»)، وفي الكاثوليكية تُدعى «ثانوية القانون»، أما في البروتستانتية فتُعلن أبوكريفية. الأمر أشبه بأن تختلف دور نشر متعددة لرواية كلاسيكية واحدة حول أي الفصول حقيقية وأيها مجرد مسودات المؤلف. هذا الخلاف مستمر منذ قرون: بعض الكنائس تعتبر هذه النصوص الإضافية موحى بها مثل الإنجيل تمامًا، بينما تراها كنائس أخرى مجرد تعاليم بشرية طيبة وليست إلهية."
"أما القانون نفسه – أي القائمة المعتمدة للكتب المقدسة – فقد تشكل بصعوبة بالغة على مدى زمن طويل، وأحيانًا وسط خلافات حامية. فإذا كان العهد القديم، وفقًا للتقاليد، قد كُتب على مدار ما يقرب من ألف وخمسمائة عام (منذ القرن الثالث عشر قبل الميلاد)، فإن نصوص العهد الجديد كُتبت في القرن الأول الميلادي. وعلى سبيل المثال، رؤيا يوحنا اللاهوتي (أبوكاليبس) رفضوا طويلاً إدراجها في القانون في الشرق المسيحي، معتبرين أنها قاتمة وغامضة جدًا. ومن المثير للاهتمام أن التقسيم الذي اعتدنا عليه إلى فصول وآيات هو أيضًا إلى حد كبير من قبيل الصدفة. فبينما كان اليهود يقسمون النص منذ القديم إلى مقاطع حسب المعنى، فإن نظام الفصول الحديث هو من صنع رئيس أساقفة كانتربري ستيفن لانغتون في القرن الثالث عشر. أما ترقيم الآيات فاخترعه في القرن السادس عشر الناشر الباريسي روبرت إتيان، ومنذ ذلك الحين ونحن نقتبس متى 5:3-12 دون أن نفكر في أن هذه الأرقام كانت ممكن أن تكون مختلفة تمامًا."
"فماذا لدينا في النهاية؟ العهد القديم (التاناخ) كُتب معظمه بالعبرية القديمة، مع بعض الإضافات بالآرامية، ويحكي قصة من خلق العالم حتى الأنبياء. يتكون من ثلاثة أقسام: التوراة (الشريعة، أو أسفار موسى الخمسة)، والأنبياء (نفيئيم)، والكتابات (كيتوفيم). أما العهد الجديد فبلغته اليونانية «الكوينى» (koinē)، وهي اللهجة اليومية في عصر الإسكندر الأكبر. يتكون من أربعة أناجيل، وأعمال الرسل، وواحد وعشرين رسالة، وسفر الرؤيا (أبوكاليبس) نفسه. إجمالاً، وبحسب الطائفة، يتراوح عدد الكتب من 66 كتابًا (عند البروتستانت) إلى 81 كتابًا (في الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية). وخلف كل واحد من هذه الكتب، مئات بل آلاف السنين من العمل المضني للنُسّاخ، والماسوريت (اليهود العلماء من القرنين الخامس والعاشر الميلاديين الذين عدّوا كل حرف في المخطوطات لئلا يخطئوا)، والمترجمين."
"أما الترجمات فهي قصة ملحمية بحد ذاتها. في القرن الرابع، أنشأ القديس جيروم الترجمة اللاتينية المعروفة بـ«الفولغاتا». في القرن التاسع، ترجم كيرلس وميثوديوس الكتاب المقدس إلى السلافية، واضعين لذلك أبجدية جديدة. ثم جاء غوتنبرغ، الذي طبع أولًا الكتاب المقدس عام 1450. في القرن السادس عشر، ترجم مارتن لوثر الكتاب المقدس إلى الألمانية، محدثًا ثورة في وعي الناس العاديين الذين تمكنوا أخيرًا من قراءة كلمة الله بأنفسهم، بدون وسطاء وباللاتينية غير المفهومة. في روسيا، وبعد تعقيدات ومنع طويل، رأت الترجمة الروسية الكاملة (الترجمة السينودسية الشهيرة) النور فقط عام 1876. بالمناسبة، شارك في العمل عليها، إلى جانب آخرين، البروفيسور د. أ. خفولسون — وهو مسيحي من أصل يهودي، قام بمقارنة ترجمة العهد القديم مع النص العبري الماسوري."
"وحصيلة هذا المسار الهائل هي التالي: الكتاب المقدس ليس فقط نصًا مقدسًا، بل هو أيضًا الرقم القياسي في التوزيع. أكثر من ستة مليارات نسخة انتشرت في أنحاء العالم. يُقرأ بـ 2932 لغة، أي أن 90 في المائة من سكان الأرض يمكنهم الاطلاع عليه بلغتهم الأم. رؤساء الولايات المتحدة يضعون أيديهم عليه عند أداء اليمين الدستورية. وفي روسيا، على سبيل المثال، أصدر مجلس الدوما في عام 2015 قانونًا خاصًا يمنع الاعتراف بالكتاب المقدس والقرآن والتاناخ كأدبيات متطرفة. حتى أنه في إنجلترا عام 1631، تمكن عمال التنضيد من أن يصبحوا مشهورين بنشرهم «الكتاب المقدس الشرير» والذي وردت فيه طبعة خاطئة للوصية «لا تزنِ» (حيث جاءت «ازنِ»)."
"إذن، أمامنا ليس مجرد مجموعة من الأساطير القديمة أو مدونة قوانين. بل هو نص حي، معقد، متناقض، أنجب ثقافة عظيمة وفنًا وفلسفة، لكنه خدم أيضًا كمسوغ للحروب والقسوة. وكما لاحظ بدقة أستاذ الدراسات الكتابية جون ريتشيز، فإن الكتاب المقدس ألهم البشرية لأسمى الإنجازات، كما أفسح المجال لأسوأ غرائزها. وهذا يجعله ليس قطعة متحفية، بل لغزًا دائم الحيوية، يقترب منه كل جيل جديد بمفتاحه الخاص: الإيمان، أو الشك، أو التحليل العلمي البارد."
Похожие новости
لقِيانُ السَّاموساطي: رائدُ الهجاءِ الذي سبقَ زَمَانَهُ
16.05.2026
الثقافة
هل قرأ بولغاكوف لوقيان الساموساطي؟
«العربي في مهرجان موسكو السينمائي الدولي الـ48
24.04.2026
الثقافة
فيلم جزائري عن العربي المجهول (الذي لا اسم له) في أعمال كامو
صندوق الدولة للأفلام في الاتحاد الروسي (غوسفيلموفوند روسيا) (وهو أرشيف الأفلام الرئيسي في روسيا)
12.04.2026
الثقافة
من أول فيلم للأخوين لوميير إلى البارجة "بوتيمكين"
Еще по теме
نبي الفن: كيف تنبأ زياد الرحباني بانهيار العالم العربي
تهكم اللبناني العبقري أصبح نبوءة
شولجان-تاش — تراث اليونسكو
أكبر كهف في جبال الأورال الجنوبية ضمن قائمة التراث
السينما جسر بين الثقافات
المهرجان السنمائي في محيط الاسرة يوحد الثقافات
ملحمة السلطان بيبرس في مهرجان تشيخوف
من عبد إلى سلطان: قصة سلطة ومصير
«النصب التذكاري» لبوشكين — رمز للسياسة الحكيمة
الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة يقتبس بوشكين في كلمته لبوتين في منتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي 2025
"حفلة في الظلام"
Сегодня сбылось одно из моих давних желаний…. Или нет, не так! Сегодня я видела чудо…