30 شباط براير: عبث لا ينتمي لأحد

هذا اليوم الذي لا يأتي أبدًا رمزًا للحرية المنشودة
09.05.2026 10:04 عموم روسيا

«30 شباط فبراير: بين وهم الحرية وعبثية الانتماء»

مساء يوم 8 مايو 2026، تحت أضواء مسرح «آفاق» في القاهرة، أقيم العرض الأول لمسرحية «٣٠ فبراير» للمخرج المبدع هشام السامباتي والكاتب المسرحي مصطفى سعد. يستكشف العمل فكرة أن المستحيل قادر على التحول إلى واقع يُعاش: فالعنوان نفسه يشير إلى العدم، إلى يوم غير موجود في التقويم — وبذلك يهيئ المشاهد للغوص في عالم موازٍ يصبح فيه هذا اليوم الذي لا يأتي أبدًا رمزًا للحرية المنشودة والانتماء المتأرجح بين القبول والرفض.

يبدأ النص بالغوص في صميم القضية الإنسانية الكبرى: الحرية، لكنه لا يقدمها كحق مطلق، بل كأزمة وجودية؛ إذ تقوم الحبكة على مفارقات حادة بين رغبات الفرد وإملاءات المجتمع، مما يعكس الصراع بين الاستقلالية الشخصية والالتزام الجمعي. في البداية، تظهر الشخصيات كدمى على خشبة مسرح للعرائس، ليكشف المشهد عن حقيقة أن الإنسان غالباً ما يكون أسير خيوط غير مرئية: المجتمع، السلطة، المعتقدات، بل وذاته أيضاً، وهنا تكمن براعة العنوان، فـ«30شباط فبراير» ليس مجرد سخرية من الزمن، بل إعلان أن الحرية الكاملة ربما تكون وهماً، تماماً كيوم لا يمكن أن يتحقق أبداً.

الإخراج والرمزية

بالنسبة للإخراج والرمزية، اعتمد المخرج هشام السنباطي على إيقاع سريع وتكثيف بصري للمشاهد، مما جعل الجمهور يضحك في لحظات مواجهته لأخطر القضايا، كما أن تقديم الأداء الجماعي على هيئة دمى في بداية العمل لم يكن عابراً، بل شكل رمزاً بصرياً قوياً يعبر عن إنسان يعتقد أنه يختار بحرية بينما هو مسير بخيوط الآخرين. تميز العرض بقدرة المخرج على توجيه الطاقات الشبابية، حيث كان الأداء أقرب إلى المدرسة التعبيرية، معتمداً على «الكورال الحركي» لتجسيد الضغوط النفسية، واستخدم تقسيم الوجوه تعبيراً عن الانقسام الداخلي بين الحياة الحرة والموت الروحي. كما نجح السنباطي في ابتكار لقطات بصرية تعوض بساطة الإمكانيات المادية، محولاً جسد الممثل إلى قطعة ديكور أساسية، وهذا التوظيف الرمزي وضع العمل في إطار مسرح العبث، حيث يصبح الضحك مرآة للقلق الوجودي، ويبقى السؤال: هل نحن نعيش الزمن حقاً أم أننا مجرد أرقام في تقويم وهمي؟

تصميم المشهد والإضاءة

أما عن الديكور، فأدت الإضاءة دوراً درامياً لا مجرد إضاءة ظاهرية، إذ استخدمت الظلال لتعزيز الإحساس بالعزلة، وتم تسليط الأضواء الكاشفة على الشخصيات في لحظات البوح النفسي، مما عمق الشعور بضياع الزمن. استخدام خلفية من الجرائد لم يكن مجرد عنصر ديكور، بل حمل أبعاداً رمزية ونفسية عميقة، فالجرائد تمثل عادةً صوت المجتمع، والأحداث اليومية، والضغوط السياسية والاجتماعية؛ ووجودها على الخشبة يخلق ازدحاماً بصرياً ورمزياً يعكس فوضى الحياة وتشابك القضايا الإنسانية. وفي النهاية، كان تمزيق الجرائد دلالة قوية على التمرد على القيود، ورفض الأفكار المفروضة، والتحرر من الضغوط التي هيمنت على الشخصيات طوال العرض.

البعد الاجتماعي

يكشف العرض التناقض الذي يعيش فيه الفرد في مجتمعاتنا: نُطلِق شعارات الحرية، لكننا نطالب بالانتماء الإجباري؛ ونحتفل بالاختلافات، لكننا نعاقب من يخرج عن الصف. يتحول النص إلى نقد اجتماعي حاد، يطرح على المشاهد سؤالاً مدوياً: هل نحن أحرار حقًا، أم أننا في الواقع نعيش داخل يوم «٣٠ فبراير»؟ تلجأ المسرحية أيضًا إلى كسر الجدار الرابع، ومزج الكوميديا السوداء بالمأساة، مما يجعل الإيقاع يتأرجح بين الضحك والتأمل العميق. السمة المميزة لهذا العمل هي أنه لا يكتفي بالتنظير الفلسفي المجرد، بل يقدم الأفكار بشكل كوميدي ساخر، موصلاً الفكرة إلى المشاهد دون بلاغة أو وعظ. الضحك هنا ليس هروبًا، بل مواجهة، تدفع المشاهد إلى إعادة النظر في حياته الخاصة، وفي قيوده وخياراته.

الجوانب الإيجابية والملاحظات النقدية

من الجوانب الإيجابية للعرض يمكن ذكر: أولاً، جرأة طرح الأسئلة: مناقشة فكرة «الزمن المفقود» بأسلوب عبثي تتطلب شجاعة فنية، لأنها تجربة قد لا يفهمها المشاهد التقليدي على الفور. ثانيًا، الانسجام الجماعي: العرض لم يعتمد على نجم واحد، بل أظهر تفاعلاً واضحًا بين فرقة التمثيل بأكملها، مما يدل على عمل تحضيري وتدريبي كبير. لكن هناك أيضًا ملاحظات نقدية: في بعض المشاهد الحوارية المطولة، يُلاحظ تراجع طفيف في الإيقاع، مما قد يؤدي إلى تشتت انتباه المشاهد، خاصة في الحلقات التي تطغى فيها المداولات الفلسفية على الفعل الدرامي. ورغم أن عدم التحديد جزء لا يتجزأ من مسرح العبث، إلا أن بعض الرموز كانت بحاجة إلى ربط أقوى بالسياق المصري المعاصر، لضمان إتاحة الرسالة لجماهير ذات مستويات ثقافية مختلفة.

خاتمة
30 شباط ٠ فبراير» ليس مجرد عمل فني، بل هو صرخة وجودية تقول لنا: الحرية المطلقة وهم، ولكن البحث عنها هو بالضبط ما يمنح الإنسان معنى. إنه عمل يجعلك تضحك حتى البكاء، ويُزلزل أعماق فكرك، ويتركك أمام مرآة روحك وأنت تتساءل: هل أعيش يومًا حقيقيًا، أم أن حياتي كلها ليست سوى «30 شباط فبراير» آخر؟

هذه المقالة كتبتها الدكتورة نرمين أحمد سعيد، الاستشارية النفسية والتربوية، المتخصصة في قضايا الصحة النفسية والعلاقات الإنسانية.

الكاتبة: د. نرمين أحمد سعيد، استشارية نفسية وتربوية، متخصصة في قضايا الصحة النفسية والعلاقات الإنسانية.

عموم روسيا الشرق الاوسط عموم روسيا ثقافة