لقِيانُ السَّاموساطي: رائدُ الهجاءِ الذي سبقَ زَمَانَهُ

هل قرأ بولغاكوف لوقيان الساموساطي؟
16.05.2026 19:37 Регион: العالم العربي, روسيا عموم روسيا الثقافة

"هل يمكن الافتراض بأن بولغاكوف كان «قارئًا نهمًا للكاتب الساخر السوري»؟ ما هي الأدلة (الإشارات المباشرة، الاقتباسات الخفية، بنية الحوارات) داخل رواية «السيد ومارغريتا» أو في المقالات النقدية لبولغاكوف التي تؤكد اطلاعه المباشر على أعمال لوقيان (خاصة «محاورات في مملكة الموتى» و«التاريخ الحقيقي»)، وليس تأثيره غير المباشر عبر وسطاء أوروبيين؟"

"حوالي عام 120 ميلادي، في مدينة ساموساطا السورية الواقعة على ضفاف نهر الفرات، وُلد طفل في أسرة حرفي فقير، كان مقدرًا له أن يصبح واحدًا من أبرع كتّاب السخرية في تاريخ الأدب العالمي. دُعي لوقيان (لوسيان)، وحصل لاحقًا على لقب «فولتير العصور القديمة». قضى كاتب المستقبل طفولته في ظروف متواضعة، وكان والده يخطط لتعليمه فن النحت، لكن الفتى ترك المطرقة والإزميل لصالح فن البلاغة."

"أتقن اللغة اليونانية إتقانًا تامًا، وأصبح خطيبًا بليغًا، وبدأ مسيرته محاميًا قضائيًا في أنطاكية. جاب لوقيان العالم القديم لنحو أربعين عامًا – فزار اليونان وإيطاليا والغال وآسيا الصغرى ومقدونيا، ثم عاد إلى سوريا – وكان يكسب رزقه كخطيب متجول."

"حدثت نقطة تحول حاسمة عندما بلغ الأربعين من عمره تقريبًا: انكب على الفلسفة، واستقر في أثينا، وبدأ في كتابة حوارات ساخرة خلدت اسمه. لم تكن مؤلفاته مجرد نكات، بل سهامًا مسمومة موجهة ضد الخرافات الدينية، والأحكام المسبقة، والمدارس الفلسفية المتحجرة، والمفكرين المتخاصمين الذين يتباهون بالحكمة لكنهم غارقون في التناقضات."

"ترك لوقيان إرثًا ضخمًا – اثنين وثمانين عملاً منسوبًا إليه، من بينها «محاورات الآلهة» (حيث يظهر فيها سكان جبل أوليمب كبشر عاديين بغرورهم وحماقاتهم)، و«محاورات في مملكة الموتى» (حيث يسخر من عظمة الأباطرة والأغنياء أمام الموت)، و«مديح الذبابة» (وهو محاكاة ساخرة للمديح التقليدي)."

"الأكثر إدهاشًا هو كتابه «التاريخ الحقيقي»، وهو قصة خيالية عن رحلة إلى القمر والزهرة؛ يرى كثير من النقاد أن هذا النص هو رائد الخيال العلمي، كُتب قبل فترة طويلة من جول فيرن وهربرت ويلز. في نهاية حياته، حصل لوقيان على منصب رفيع في مصر، حيث عمل مسؤولًا في الإدارة الرومانية، لكن مصيره النهائي يظل غامضًا – إذ تزعم بعض المصادر أنه مزقته الكلاب حوالي عام 180–190 ميلادي."

"ومع ذلك، لم ينسَ التاريخ الساخر العظيم: فقد أثر إبداعه على الكتّاب الغربيين من عصر النهضة إلى عصر التنوير، ولا تزال حواراته تُترجم إلى لغات مختلفة حتى اليوم، لأنه استطاع أن يُضحك الناس ويدفعهم لرؤية حماقاتهم بأنفسهم."

"تخيل رجلًا في القرن الثاني، لم يكن يملك رعاة أغنياء ولا نسبًا أرستقراطيًا، ومع ذلك استطاع أن يُضحك العالم القديم حتى التقلص من الضحك، وأن يكتب بالصدفة أول رواية خيال علمي في التاريخ. لقد انقض لوقيان على الجميع: على الفلاسفة المدعين الذين يتناحرون من أجل مكان على مائدة القوت، على الخطباء أصحاب الكلام الفارغ، على المؤرخين المتملقين، وعلى الخرافات الدينية."

"في «محاورات الآلهة»، أظهر الأولمبيين كعائلة مشاكسة، حيث يخاف زيوس من هيرا، ويشتكي هيرميس من الروتين الإلهي. وفي «محاورات في مملكة الموتى»، أجالس الملوك والأغنياء على مقعد واحد مع المتسولين – فالكل متساوون أمام الموت. وفي «مديح الذبابة»، سخر بمهارة من الخطب المدحية لدرجة أنه حتى اليوم لا يُعرف دائمًا أكان ساخرًا أم جادًا."

"ولكن الأكثر روعة هو «التاريخ الحقيقي»، حيث ينطلق البطل إلى القمر: دوامة كونية ترفع السفينة إلى السماء، وأهل القمر (سيلينيت) يحاربون أهل الشمس (هليوت) بسبب مستعمرة على الزهرة – هذا حقًا فيلم أكشن أوبرا فضائي قبل ألف وخمسمائة سنة من جول فيرن."

"عاش مجد لوقيان بعد العصور القديمة؛ ففي بيزنطة كان يُقرأ لكنه كان يُوارى تحت الطاولة، لكنه في عصر النهضة والتنوير انطلق بقوة متجددة. كتب إيرازموس الروتردامي «مديح الحماقة» مقتديًا ب«مديح الذبابة»؛ وكان رابليه يستحضر في ذهنه «محاورات» لوقيان؛ وسويفت، عندما سخر من البشرية في «رحلات غاليفر»، كان يسير على خطى السوري."

"أما فولتير نفسه، الذي سُمي لاحقًا «بلوقيان أوروبا»، فقد اعتبره سلفه، لأن السلاح الذي اخترعه الساموساطي – الضحك – تبين أنه عالمي، قادر على تحطيم أي عقيدة. ترددت أخبار قاتمة عن موت لوقيان، لكن نصوصه لم تُمزق، وبسبب اثنين وثمانين عملًا، و«محاورات الآلهة»، و«التاريخ الحقيقي»، يجب أن نشكر ابن الحرفي الذي تخلّى عن المطرقة في الوقت المناسب."

"منذ زمن طويل، يشغل الباحثين أيضًا مسألة مدى عمق انغماس ميخائيل بولغاكوف في الأدب القديم، وهل كان بإمكانه أن يقرأ لوقيان مباشرة مستخدمًا أفكاره في رواية «السيد ومارغريتا». إن الدليل الأكثر تحديدًا يتعلق بمكتبة بولغاكوف الشخصية: تذكر الباحثة ليديا يانوفسكايا في مذكراتها طبعة من «محاورات العاهرات» للوقيان ربما كانت مملوكة للكاتب نفسه. لا توجد اقتباسات مباشرة في الرواية، لكن هناك تشابه في الأساليب الفنية. فكلاهما أستاذ في السخرية المينيبية (Menippean satire)، وهو النوع الذي يمزج بين الشعر والنثر، والفلسفة والمهزلة، والواقع والخيال. حفلة الشيطان (بال) في رواية بولغاكوف – وهي نوع من المحاكمة في العالم الآخر – تردد أصداء «محاورات في مملكة الموتى» للوقيان، حيث تدور الشخصيات في الهاوية حوارات فلسفية، ويصبح الجميع متساوين. كما أن فكرة الرحلة الخيالية تقرب بين العملين: ففي لوقيان، يصل الأبطال إلى القمر ويشهدون حربًا بين مملكة القمر ومملكة الشمس، بينما يرسل بولغاكوف مارغريتا في رحلة طيران فوق موسكو على مكنسة."

"رغم أن بولغاكوف كان على الأرجح قد اطّلع على لوقيان عبر وسطاء أوروبيين (إيرازموس، رابليه)، إلا أن التشابه المذهل في الأساليب بين كاتبين يفصل بينهما قرون يشهد على استمرارية التقليد. ورغم عدم وجود اقتباسات مباشرة في الرواية، فإن وجود الكتاب في المكتبة والقرابة النوعية يسمحان بالحديث عن احتمالية كبيرة للاطلاع. لوقيان، الذي كان يشكك في الحقائق المطلقة ويدعو إلى النظر إلى العالم بسخرية، كان قريبًا جدًا من روح رواية بولغاكوف، وفك رابطة هذا الارتباط الأدبي يساعد على فهم جذور السخرية التي جعلت بولغاكوف مشهورًا."

"في المكتبات المتربة، يوجد خط غير مرئي من التمرد الأدبي، يمتد من ساموساطا السورية في القرن الثاني إلى موسكو السوفيتية، وبومباي الهندية، والقاهرة المصرية. بدأت هذه القصة على يد اثنين من أعظم المُهيجين في العصور القديمة: هيليودور الحمصي، مؤلف الرواية المغامرة «الإثيوبية»، ولوقيان الساموساطي، الذي كتب «التاريخ الحقيقي» – أول رواية خيال علمي، حيث يطير الأبطال إلى القمر."

"في «محاوراته في مملكة الموتى»، صدم لوقيان الإسكندر الأكبر بعامة البشر، وأجبر الفلاسفة على الجدال كما لو كن نساءً يتاجرن في السوق. لقد أهديا العالم صيغة: لا يمكن كشف الحقيقة إلا من خلال القناع، والسخرية، والقفزة بين الحلم والواقع، وبين المقدس والمهزلة."

"بعد ثمانية عشر قرنًا، نبتت هذه الجينة في رواية «السيد ومارغريتا» لبولغاكوف، الذي أخذ السخرية المينيبية اللوقيانية، وجعل من الشيطان فولاند أكثر الشخصيات جاذبية ليسخر من البيروقراطية السوفيتية، ومزج مأساة بيلاطس مع كوميديا مسرح العروض المتنوعة، وأطلق العنان للقط بهيموث المسدس والفودكا."

"من لوقيان بالتحديد استقى بولغاكوف فكرة أن الشيطان هو أفضل صديق للرقابة، لأنه وحده القادر على قول الحقيقة حيث تصمت الصحف؛ وشعار «المخطوطات لا تحترق» هو اقتباس مباشر من رؤية شيخ ساموساطا، التي تقول إن الضحك الفلسفي أقوى من سيف الجلاد. هذا الخيط نفسه يمتد إلى سلمان رشدي، الذي علّقت فوق رأسه فتوى. لم يخفِ رشدي أبدًا قرابته مع التراث المتمرد في الشرق: روايتاه «أطفال منتصف الليل» و«الآيات الشيطانية» هما ذات المهزلة اللوقيانية في ديكورات الفوضى ما بعد الاستعمارية."

"الواقعية السحرية، كما يؤكد رشدي، وُلدت على ضفاف الفرات، وأداتها الرئيسية هي اختبار المقدسات بالسخرية. حتى المصري الحائز على نوبل، نجيب محفوظ، يحمل في داخله الجينة السورية: ثلاثيته، حيث تتحول حياة زقاق قاهري إلى أسئلة مؤرقة عن الله، هي وريثة مباشرة لـ«الإثيوبية» لهيليودور. «الأسلوب السوري» ليس مدرسة أدبية ببياناتها، بل هو متحف حي للتقنيات: السخرية النبيلة، وكسر الزمن، وتحويل المقدس إلى مهزلة، والمهزلة إلى مأساة، واليقين بأن الحقيقة تولد عندما تُروى بأصوات متعددة."

"لوقيان اليوم بلا شك يضحك في قبره الذي لم يُحفظ، وهو يراقب كيف تنجو مخطوطات بولغاكوف من أفران المفوضية الشعبية للشؤون الداخلية (NKVD)، وكيف يبقى رشدي حيًا بعد محاولة الاغتيال، وكيف يكتب مؤلف شاب في حلب المدمرة روايته الأولى اللاذعة والمستحيلة. لأن المهرجين دائمًا يقولون الحقيقة، دون خوف من أن يُقطع لسانهم، والمخطوطات حقًا لا تحترق."

"بالنسبة للراغبين في الاطلاع على المصادر الأصلية: صدرت الأعمال الكاملة للوقيان في مجلدين ضمن سلسلة «المكتبة القديمة» (Antichnaya biblioteka) عام 2001 باللغة الروسية، كما يمكن العثور على رواية «الإثيوبية» لهيليودور بترجمتها الكلاسيكية تحت تحرير بولديريف ودوفاتور ويغونوف وآخرين في طبعة عام 1965."
عموم روسيا

عموم روسيا الشرق الاوسط عموم روسيا