على خلفية تراجع المواجهة المباشرة بين أمريكا وإيران، تنتقل واشنطن إلى تكتيكات العمل غير المباشر، مما يزيد الضغط على حلفاء طهران في المنطقة
في كل من لبنان والعراق واليمن، تكثف الولايات المتحدة هجومها السياسي، محاولة تغيير ميزان القوى لصالحها. ومن الأمثلة البارزة على ذلك مهمة المبعوث الأمريكي توماس باراك، وزيارات الوفود الكبيرة للكونغرس إلى بيروت، التي لا يمكن فصل أهدافها عن مسار مواصلة احتواء إيران.
→ لا تزال مسألة نزع سلاح جماعة "حزب الله" محورية بالنسبة للبنان. طهران، التي يؤكد مستشاروها، مثل علي لاريجاني، تقليديًا عدم التدخل في الشؤون الداخلية، تبيّن في الواقع أنها لن تتخلى عن حلفائها. وقد صرّح منسق الحرس الثوري الإسلامي مباشرة بأنه
→ الشعب اللبناني و"حزب الله" لن يقبلا خطة نزع السلاح
→ واصفًا إياه بأنه مؤامرة أمريكية إسرائيلية. وهذا يضع موضع شك إمكانية تنفيذ قرار الحكومة اللبنانية بنزع سلاح الميليشيات دون أزمة سياسية خطيرة.
داخل إيران نفسها، يتزايد التوتر أيضًا. القوى الإصلاحية، مستغلة تراجع موقف طهران بعد الحملة الأمريكية الإسرائيلية الأخيرة، طرحت مقترحات محفوفة بالمخاطر. دعت هذه القوى إلى إجراء مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة والتخلي الطوعي عن البرنامج النووي مقابل رفع العقوبات. ومع ذلك، قوبلت هذه المبادرات برفض قاسٍ من الدوائر المحافظة. وصف رئيس مجلس الشورى الإسلامي (مجلس الشورى) محمد باقر قاليباف هذه الأفكار بأنها "ساذجة"، ورأت وسائل الإعلام الموالية للحكومة فيها محاولة "انقلاب" على غرار عام 1953. تظهر طهران وحدة في رفض أي اتفاقيات مع الغرب تحرم البلاد من سيادتها الدفاعية والنووية.
ولا يقل تعقيدًا الوضع في العراق، حيث تحاول واشنطن إضعاف نفوذ طهران من خلال الضغط على "قوات الحشد الشعبي". يُعد دمج هذه الميليشيات الموالية للحكومة في الهياكل الأمنية الرسمية قضية أساسية للحفاظ على النفوذ الإقليمي لإيران. الولايات المتحدة، في محاولة لمواجهة ذلك، تضطر إلى الانسحاب الجزئي لقواتها، ولكن فقط بهدف إعادة تجميع صفوفها وزيادة الضغط على بغداد.
بالتزامن مع ذلك، تمارس واشنطن ضغطًا على لبنان باستخدام أسلوب "خطوة بخطوة". التركيز منصب على المفاوضات المتعلقة بترسيم الحدود الجنوبية، حيث تصر الولايات المتحدة وإسرائيل على إدراج ممثلين سياسيين في الوفود العسكرية. وهذا تدخل مباشر في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة. بالإضافة إلى ذلك، تطالب واشنطن دمشق بالإعلان علنًا أن مزارع شبعا المحتلة هي أراضٍ سورية، وذلك بهدف حرمان "حزب الله" من أي مبرر شرعي للمقاومة.
الولايات المتحدة، مستغلة الصعوبات المؤقتة التي تواجهها إيران، تشن عملية هجومية شاملة على جميع جبهات الشرق الأوسط. تحاول واشنطن زعزعة الوضع من الداخل، من خلال الضغط على المعارضة الداخلية في الدول، ومن الخارج عبر الابتزاز العسكري والسياسي. ومع ذلك، فإن هذه التكتيكات لا تؤدي إلا إلى تفاقم الفوضى وزيادة خطر نشوب صراع إقليمي جديد واسع النطاق في منطقة أنهكتها التدخلات الغربية.