«أرض اللبان»: رحلة إلى منابع الخلود في قلب عُمان
ثمة أفلامٌ تُسلّي، وأفلامٌ ينبغي الانغماس فيها كنوعٍ من التأمل. ينتمي الفيلم الوثائقي «أرض اللبان» (Land of Frankincense) إلى الفئة الثانية، الأكثر ندرة. فهو ليس بطاقة بريدية سياحية ولا سردًا علميًا جافًا، بل رحلة متأنية شبه تنويمية إلى جنوب شبه الجزيرة العربية — إلى محافظة ظُفار العُمانية، حيث لا يزال الهواء مشبعًا برائحة الصمغ الذي فاق الذهب قيمةً في يومٍ من الأيام.
جغرافيا العجائب: حيث تتنفس الصحراء رطوبةً
تدور أحداث الفيلم في مكان يكسر الصور النمطية عن الشرق الصحراوي. فظُفار واحة مناخية فريدة؛ فبينما تلهث بقية شبه الجزيرة تحت شمس حارقة، تكتسي سفوح الجبال هنا بسوادٍ زمردي كثيف بفضل الرياح الموسمية الجنوبية الغربية (الخريف). وينساب الضباب الموسمي عبر وادي دوكة، محوّلًا المشهد القاسي إلى نضارة مزهرة، فيما يصبح الهواء رطبًا باردًا.
هذا المناخ بالذات هو الذي احتضن شجرة اللبان المقدسة (Boswellia sacra). يتعمّد المخرج أن يمنح الكاميرا دور المراقب الصامت: نشاهد أفراد قبيلة الشحري، الذين يتوارثون أسرار الحرفة جيلًا بعد جيل، وهم يصنعون شقوقًا رفيعة في اللحاء لتذرف الشجرة دموعها الغالية من الصمغ.
أبعد من علم النبات: الشيفرة الثقافية لحضارة
يبتعد صنّاع الفيلم عن الطرح العلمي المبسّط. «أرض اللبان» حكاية عن اتصال الأزمنة، حيث لا تكون الشجرة مجرد نوع بيولوجي، بل جزءًا من الحمض النووي الثقافي للإنسانية.
عبر المشاهد والتعليقات الصوتية الدقيقة، ينقل الفيلم فكرة أن هذه الأشجار بالذات هي التي أوجدت أساطير ملكة سبأ وأغنت خزائن الممالك القديمة. نشاهد أطلال الموانئ العريقة كالبليد وخور روري (سمهرم)، حيث كانت القوافل والسفن تحمل «دموع الآلهة» إلى معابد مصر وروما والقدس. ويُذكر اللبان في الإنجيل كهدية من المجوس، وفي التوراة كمكوّن من مكوّنات البخور المقدس، وفي الشعر العربي القديم كرمزٍ للكرم.
ويستحق قصة مدينة أوبار الأسطورية، المعروفة بـ«أطلانتس الرمال»، اهتمامًا خاصًا. يذكّرنا الفيلم بحقيقة مذهلة: أطلال هذه الواحة القافلية التي ابتلعتها الصحراء لم تُكتشف إلا في أواخر القرن العشرين بفضل صور الأقمار الصناعية لوكالة ناسا — لحظة التقت فيها التقنية الحديثة بالأسطورة القديمة.
ويُبرز الفيلم علاقة العُمانيين الوثيقة بإرثهم: فاللبان لا يُستنزف بجشع؛ فجمع المحصول طقسٌ يتطلب الصبر واحترام الطبيعة، بل ومعرفة أطوار القمر.
جماليات الضباب والضوء
يأسر الفيلم بصريًا: خضرة الأودية النضرة المتناقضة مع صخور الحجر الجيري البيضاء، وضباب الفجر الذي تتراءى من خلاله ظلال الجمال، وبلورات اللبان الكهرمانية على اللحاء الداكن — كل ذلك يصنع إحساسًا باللاواقعية.
ويلعب التصميم الصوتي دورًا هائلًا؛ فبدلًا من الموسيقى العرقية الصاخبة، نسمع صمت الجبال، وحفيف الريح، وطحن الحصى تحت أقدام الجامعين. لقد نجح مهندس الصوت إيفان رازوموفسكي في تسجيل أنفاس الأرض ذاتها، مما يعمّق الإحساس بالحضور الكامل. ويحوّل عمل المصوّرَين أرسيني تينيانوف وإسماعيل الحارثي كل لقطة إلى لوحة تشكيلية، حيث يبني المخرج كريم نجيب شعرية الصورة، بينما يمنح سيناريو أنيسة غوردينا-مراد السردَ عمقًا فلسفيًا.
لماذا عُمان؟
لا تجتذب سلطنة عُمان صنّاع الأفلام الوثائقية من جميع أنحاء العالم عبثًا؛ فهي بلدٌ ذو عمق حضاري فريد، واستقرار سياسي، وتنوع طبيعي مذهل: من الجبال والصحارى إلى السواحل الاستوائية. وتدعم وزارة التراث والثقافة العُمانية مشاريع مثل «أرض اللبان» إدراكًا منها لأهمية الحفاظ على الذاكرة التاريخية في زمن العولمة.
الخلاصة: فيلمٌ كالعطر
«أرض اللبان» فيلمٌ لا يمكن مشاهدته فحسب، بل لا بد من استنشاقه. إنه تذكير بأن الثروة الحقيقية للأمم لا تُقاس ببراميل النفط، بل بقدرتها على صون تاريخها وطبيعتها وروحها. سيثير الفيلم اهتمام عشاق التاريخ والجغرافيا فحسب، بل كل من يبحث في السينما الحديثة عن غذاءٍ للعقل وراحةٍ للعين.
إنه حجٌّ فني إلى منابع الجمال، يحوّل الشجرة المتواضعة إلى بطلة صامتة تروي حكاية تمتد لآلاف السنين.